تسنيم سمور
لم تكن رحلة العودة إلى المنزل بالنسبة لمرام أبو نعيم، بعد انتهاء دوامها في مستشفى الاستشاري برام الله، سوى طريقٍ اعتادت أن تسلكه بشكل شبه يومي، إلى أن تحولت إحدى هذه الرحلات إلى لحظات من الخوف والملاحقة، حيث وجدت نفسها خلالها تحاول النجاة من مجموعة من المستوطنين وسط طريق ضيق لا يتيح لها مساحة كافية للعودة.
كانت الساعة تقترب من الرابعة والربع عصرًا، عندما فوجئت مرام بنحو عشرين مستوطنًا في الطريق المؤدي إلى قريتها المغير، كان إلى جانبها عدد من العمال، والطريق الضيق لم يكن يسمح لها بالالتفاف والعودة بسهولة، فحاول عدد من الشبان مساعدتها وتوفير الحماية لها حتى تتمكن من تغيير اتجاه مركبتها، لكن المستوطنين لحقوا بها، وأخذوا يرشقون السيارة بالحجارة، حجرًا تلو الآخر، حتى تحطم أحد أضوائها وتضرر هيكلها، بينما كانت مرام تحاول فقط أن تبتعد عن المكان.
نجت مرام من الاعتداء، لكنها لم تخرج من التجربة كما دخلتها؛ فمنذ ذلك اليوم، لم يعد الطريق بالنسبة لها مجرد مسافة تقطعها للوصول إلى العمل أو العودة إلى المنزل، بل أصبح سؤالًا يوميًا عن إمكانية المرور، واحتمال التعرض للاعتداء، وقدرتها على العودة إلى أطفالها وأهلها بأمان.
مرام وباقي أهالي قرية المغير لا يرون في الطريق الممتد بين قريتهم وأبو فلاح مجرد ثلاثة كيلومترات، بل يرونه الطريق الوحيد الذي يربط القرية بالعالم الخارجي، ثلاثة كيلومترات بات عبورها جزءًا من معاناة يومية، يسلكها الأهالي للوصول إلى أعمالهم ودراستهم وعلاجهم، ثم العودة إلى بيوتهم، وسط إغلاقات متكررة واعتداءات من المستوطنين وقوات الاحتلال.
وعلى هذا الخط، يعرف السائقون أن كل رحلة قد تحمل معها انتظارًا طويلًا أو اعتداءً مفاجئًا. عامر حج، الذي يعمل على خط المغير منذ أكثر من 23 عامًا، عاش بنفسه هذه التجربة أكثر من مرة.
يقول عامر إن الطريق الممتد لنحو ثلاثة إلى أربعة كيلومترات، والذي يمثل المنفذ الوحيد للقرية باتجاه أبو فلاح، أصبح من أصعب الطرق التي يسلكها، حتى مقارنة بالطرق المؤدية إلى الخليل أو نابلس، فإطلاق النار، ورشق الحجارة، والملاحقة، والإغلاقات المفاجئة، كلها مخاطر قد يواجهها السائق في أي وقت.
ولهذا، لا يخرج السائقون فرادى في العادة، بل ينتظرون بعضهم بعضًا، ويتحركون في مجموعات من أربع أو خمس سيارات، في محاولة لتقليل خطر التعرض للاعتداء، وعلى الخط ست سيارات أجرة، مقسمة إلى مجموعتين، تضم كل مجموعة ثلاث سيارات، ويتناوب السائقون على العمل يومًا بعد يوم.
لكن حتى هذا الاحتياط لا يضمن الوصول؛ إذ يقول عامر إن الطريق قد يُغلق منذ السادسة صباحًا، وقد يستمر الإغلاق حتى ساعات المساء، وأحيانًا إلى وقت متأخر من الليل، ما يترك السائقين والركاب عالقين لساعات، ويستذكر أنه في إحدى المرات بقي عالقًا مع عدد من زملائه من الساعة الواحدة ظهرًا حتى التاسعة مساءً.
ويزداد الخطر ليلًا، مع قلة حركة المركبات والمارة، فيما تنتشر نحو أربع بؤر استيطانية على امتداد هذه المسافة القصيرة، بحسب عامر، الذي يضيف أن المستوطنين قد يظهرون فجأة من بين أشجار الزيتون، أو يعمدون إلى إلقاء الحجارة، أو إغلاق الطريق أمام المركبات، وعامر نفسه تعرض للاعتداء ثلاث مرات؛ تضررت مركبته وتعرضت للتكسير، لكنه نجا والركاب الذين كانوا برفقته دون إصابات.
ولا يتوقف أثر الإغلاق عند الخوف من الاعتداء، إذ ينعكس أيضًا على مصدر رزق السائقين؛ فقد تمر ساعات طويلة دون أن يتمكن السائق من إنجاز سوى رحلة واحدة، أو يعود في نهاية اليوم بعائد لا يعوض الوقت الذي قضاه عالقًا.
أما بالنسبة لأهالي المغير، فلا يتوقف أثر هذه الظروف عند ساعات الانتظار أو صعوبة الوصول، بل يمتد إلى تفاصيل حياتهم اليومية.
رئيس المجلس القروي في المغير، أمين أبو عليا، يصف واقع القرية بأنه يتجاوز إغلاق طريق إلى محاولة تضييق الحياة على سكانها، ويقول إن الإغلاقات تتكرر منذ ساعات الصباح، ثم تعود في ساعات المساء، وهي الأوقات التي تشهد حركة العمال والموظفين من وإلى القرية، ما يترك الأهالي أمام ساعات من الانتظار، أو يضطر بعضهم إلى قضاء الوقت في السيارات أو في القرى المجاورة حتى يصبح الطريق آمنًا للعبور.
ولا تقتصر الاعتداءات على الطريق ومداخل القرية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المغير، التي يقطنها نحو أربعة آلاف نسمة، يضيف أبو عليا أن القرية دفعت خلال العام الجاري ثمنًا باهظًا لهذا التصعيد، مع استشهاد سبعة من أبنائها، وإصابة أكثر من 340 آخرين بالرصاص الحي، فيما تجاوز عدد المعتقلين منذ بداية الأحداث 400 معتقل، لا يزال نحو 70 منهم خلف القضبان، إلى جانب أكثر من 30 حالة إعاقة دائمة، كما امتدت الاعتداءات إلى المنازل والممتلكات، مع اقتحامات ليلية وترويع للسكان، وتكسير محتويات المنازل وسرقة الأموال والمقتنيات، إلى جانب إحراق منازل ومركبات.
وتنعكس هذه الاعتداءات أيضًا على مصدر رزق الأهالي، فالزراعة التي شكلت لسنوات جزءًا أساسيًا من اقتصاد القرية تعرضت لخسائر واسعة، مع تدمير أكثر من 25 ألف شجرة زيتون منذ السابع من أكتوبر، بحسب أبو عليا، الذي يشير إلى أن نحو 15 ألف شجرة دُمرت خلال 24 ساعة فقط في عام 2024.
وبينما يواجه الأهالي الاعتداءات داخل القرية، تتوسع البؤر الاستيطانية المحيطة بها، لتصبح المساحة المتاحة للحركة أكثر ضيقًا.
بحسب نائب رئيس المجلس القروي في المغير، مرزوق أبو نعيم، شهد شهر آب وحده 32 اعتداءً من المستوطنين، إلى جانب الاقتحامات المتكررة لقوات الاحتلال، فيما تحيط بالمغير نحو 12 بؤرة استيطانية.
وفي إحدى الحوادث الأخيرة، وبعد إغلاق القرية لنحو يومين، فُتح الطريق لفترة قصيرة قبل أن يعاود المستوطنون إغلاقه، ما أدى إلى تجمع عشرات المركبات وانتظار الأهالي لساعات، ومع تصاعد التوتر، أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي وقنابل الغاز، ما أدى إلى إصابة أربعة من أبناء القرية بالرصاص الحي، فيما واجهت طواقم الإسعاف صعوبة في الوصول إلى المصابين.
وفي قرية تحاصرها الإغلاقات والاعتداءات، يبقى هذا الطريق منفذها الوحيد إلى الخارج، وهو نفسه الطريق الذي يعيد الأهالي إلى بيوتهم وأرضهم؛ طريقًا لا يملكون رفاهية التوقف عن عبوره، ولا خيارًا في استبداله.
ثلاثة كيلومترات فقط، لكنها في المغير قد تعني ساعات من الانتظار، أو رحلة محفوفة بالخوف، أو سؤالًا لا يملك الأهالي إجابة عنه: هل سيبقى لهم طريقٌ يصلهم بالعالم خارج قريتهم؟




