بشار عودة
بشكل مفاجئ وخلال تواجد الوفد الإسرائيلي في الدوحة لاستكمال المفاوضات، شنت طائرات الاحتلال الحربية سلسلة غارات عنيفة على مناطق عدة من قطاع غزة، أسفرت عن ارتقاء أكثر من 500 مواطن.
وفيما كانت تسير المفاوضات نحو تمديد المرحلة الأولى بالإفراج عن جندي من حملة الجنسية الأمريكية وجثامين من مزدوجي الجنسية، عادت إسرائيل وجددت حربها على غزة، ونسفت بشكل رسمي اتفاق وقف إطلاق النار.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفي كلمة متلفزة، أكد أن هذه الضربات ما هي إلا البداية، وأن إسرائيل ستمضي في تحقيق أهدافها من الحرب، بينما يرجح البعض أن القصف الإسرائيلي المكثف وسيلة ضغط مارستها إسرائيل لدفع حماس نحو تقديم مزيد من التنازلات، دون الدخول في استحقاقات المرحلة الثانية من الاتفاق.
في السياق ذاته، يرى محللون وخبراء، أن جملة من الأسباب دفعت نتنياهو لتجديد حربه على غزة، وأن ما يجري الحديث عنه من نية لاستعادة الأسرى، ما هي إلا مبرر لتحقيق أهداف أخرى.
مدير مركز يبوس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية سليمان بشارات بين أن هناك عدة أسباب دفعت إسرائيل لعودة الحرب، أولها هو البعد التكتيكي المرتبط بالأهداف السياسية للحكومة اليمينية الحالية وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، فهو يدرك بشكل كبير، أن عدم العودة إلى الحرب والذهاب إلى المرحلة الثانية، يعني تفكك الائتلاف الحكومي، لذلك لا يريد أن يكون هناك نهاية للائتلاف الحكومي في هذه المرحلة، ويريد أن يستكمل دورته الطبيعية، ولهذا السبب بمجرد العودة إلى الحرب عاد بن غفير إلى الحكومة.
وتابع بشارات في حديث ل “بالغراف”، أن الأمر الثاني، أن نتنياهو بات على مستوى الشارع الإسرائيلي الداخلي هو صاحب القوة الأكبر بعدما أزاح كل المنافسين والشخصيات العسكرية والسياسية التي كان يمكن أن تشكل خطرًا على مستقبله السياسي، وحجم الإقالات وإعادة هندسة المؤسسة الأمنية والعسكرية كانت واحدة من القضايا التي أعطت له أريحية، لذلك عاد للحرب وهو يدرك أنه لا يستطيع أحد منع عودته.
والأمر الثالث- وفقًا لبشارات، فهو مرتبط بقراءة نتنياهو للإدارة الأمريكية الحالية، صحيح أن إدارة ترامب كانت تريد في مرحلتها الأولى الذهاب إلى اتفاق، لكنه قرأ أن الإدارة الأمريكية كانت بحاجة إلى الاتفاق فقط بشكل مرحلي وفي بدايتها وليس على البعد الاستراتيجي للمستقبل، ونتيناهو أراد أن يستثمر هذا التوجه في الإدارة الأمريكية من أجل العودة للحرب لأن هذا يعطيه أفضلية.
وبين أن هناك بُعدًا مُرتبطًا بالحالة الجيوسياسية، فإسرائيل ما زالت تحتفظ بخمسة مواقع عسكرية في لبنان، وذهبت لاحتلال مناطق واسعة في سوريا، وتنفذ ضربات في كل الأراضي السورية تحت ذرائع أمنية مختلفة، وتعمل في الضفة الغربية ضمن عملية عسكرية متدحرجة دون عقبات أو رفض لها، وبالتالي إسرائيل اليمينية ترى في نفسها قادرة على تنفيذ برنامجها الاستراتيجي.
وأوضح بشارات، أن هذا البرنامح الاستراتيجي يقوم على التوسع السياسي والجغرافي للدولة اليهودية المستقبلية، وتريد إسرائيل أن تثبت هذه المرتكزات الأساسية لحالة التوسع المستقبلية، وهذا الأمر مرتبط مع التوجهات الأمريكية التي تريد أن تغير من خارطة الشرق الأوسط.
أما الهدف الأخير لعودة الحرب، فهو يتعلق بأهداف الحرب المتمثلة في إضعاف المقاومة الفلسطينية، ويرى نتنياهو أنه يستطيع في ظل كل هذا الدعم، الاستمرار في تقليم أظافر المقاومة في غزة وفرض اتفاق استسلام عليها من منظوره- كما ذكر بشارات.
ويرى بشارات، أن قضية الأسرى ما هي إلا خداع يمارسه نتنياهو لتسويق الأهداف المرحلية، والهدف الأساسي من ذلك قضيتين، الأولى طمأنة الشارع الإسرائيلي ودغدغة مشاعره، فهو لم يعد يثق بنتنياهو، والهدف الثاني إعطاء نوع من الشرعية على مستوى الخطاب الدولي بأن إسرائيل تذهب لهذه العملية لاسترجاع الأسرى، رغم أنها كانت تستطيع إعادتهم بالمفاوضات والاتفاق فقط هو الذي أعادهم أحياء.
الباحث في قضايا الصراع نزار نزال يتفق مع ما تقدم به بشارات بأن إسرائيل تتحدث عن هدف معلن بالضغط على حماس للعودة إلى طاولة المفاوضات واستعادة الأسرى، ولكن ليس هذا الهدف الرئيسي الذي تسعى له إسرائيل.
ويرى نزال، أن نتنياهو يعاني من أزمات داخلية وهناك خشية من انقسام في المجتمع الإسرائيلي، فهي اليوم أصبحت دولتين، دولة دينية ودولة ليبرالية علمانية.
وهذه الأزمات عددها نزال، وتتمثل في أزمة نتنياهو مع الجهاز القضائي والمحاكم، والانقلاب على القضاء، وضغط الشارع الرئيسي لاستعادة الأسرى، وموضوع تجنيد الحريديم، وموضوع إقرار الموازنة، وكذلك رفض الاحتياط العودة للجيش، وموضوع إقالة رئيس جهاز الشاباك.
نتنياهو يعاني من أزمات داخلية وهناك خشية من انقسام في المجتمع الإسرائيلي، فهي اليوم أصبحت دولتين، دولة دينية ودولة ليبرالية علمانية
وبين أن هذه كلها أزمات داخلية دفعت نتيناهو بالقفز إلى قطاع غزة، معتقدًا أن الحرب لن تعود كما كانت عليه في السابع من أكتوبر.
وفي هذه النقطة يختلف نزال مع بشارت بأن الأمور ذاهبة فقط باتجاه تحريك المياه الراكدة وغزل لليمين الإسرائيلي وفتح شهية بن غفير للعودة إلى الحكومة، لتحصين الحكومة، وتمرير الموازنة بهدوء، وبدون أن يكون هناك أي منغصات.
وتابع نزال، أن الجميع يعرف عن أن 15 شهراً من الحرب لم تستطع إسرائيل خلالها تحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى التي تحدث عنها نتنياهو.
وأضاف، أن موضوع الأسرى لا يعني نتنياهو وإنما هو ملف يتعكز عليه ويتخذه سبباً من أجل استمرار المذبحة.
وهنا يتفق نزال مع بشارات، أن ما تريده إسرائيل هو تنفيذ مشاريع في غزة ولبنان والذهاب نحو تغيير جغرافيا الشرق الأوسط، فهي تستفيد من الدعم اللامتناهي من الإدارة الأمريكية وضعف النظام الأوروبي ودعم الأنظمة العربية.