محمد عبد الله
دخلت العلاقات الفلسطينية – الأمريكية مرحلة جديدة من التوتر، بعدما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، مساء الجمعة، إلغاء تأشيرات دخول عدد من المسؤولين الفلسطينيين، بينهم أعضاء الوفد الرسمي برئاسة الرئيس محمود عباس، المقرر مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر المقبل.
هذا القرار أثار استياءً واسعًا في رام الله، التي اعتبرته خرقًا لاتفاقية مقر الأمم المتحدة الموقعة عام 1947، والتي تلزم الولايات المتحدة – باعتبارها الدولة المضيفة – بتأمين دخول جميع الوفود الرسمية إلى أراضيها، بغض النظر عن طبيعة العلاقات السياسية مع حكوماتهم.
وفي بيان رسمي، عبرت الرئاسة الفلسطينية عن “أسفها واستغرابها الشديدين” من القرار الأمريكي، مؤكدة أنه “يتعارض مع القانون الدولي واتفاقية مقر الأمم المتحدة”، خاصة وأن فلسطين تتمتع بصفة دولة مراقب في المنظمة الدولية.
وطالبت الرئاسة الفلسطينية واشنطن بإعادة النظر في القرار والتراجع عنه فورًا، مؤكدة التزامها بجميع تعهداتها تجاه السلام، كما جاء في الرسالة التي وجّهها الرئيس محمود عباس إلى قادة العالم ومن بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
بدوره شدد حسين الشيخ، نائب الرئيس الفلسطيني، عبر تدوينة على منصة “إكس”، على أن الخطوة الأمريكية تشكل “انتهاكًا صارخًا لقوانين المقر الأممي”، مؤكدًا على مطالبة القيادة الفلسطينية للولايات المتحدة بالتراجع عن هذا الإجراء.
في السياق، أصدرت وزارة الخارجية الفلسطينية بدورها بيانًا شديد اللهجة، جاء فيه أن هذا القرار “لا يمثل فقط تعديًا على حقوق الوفد الفلسطيني، بل يشكل أيضًا خرقًا صريحًا لاتفاقية المقر لعام 1947، التي تكفل حرية دخول ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى الأراضي الأمريكية”.
وقال أحمد الديك، المساعد السياسي لوزيرة الخارجية الفلسطينية، في تصريح لوكالة الأناضول:
“نعبر عن استغرابنا الشديد من هذا القرار، ونعتبره مخالفة واضحة لاتفاقية المقر لعام 1947، التي تضمن دخول وحماية ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. الأمين العام للأمم المتحدة والدول الأعضاء مطالبون بالتحرك الفوري لإيجاد حل لهذه المشكلة، ووقف هذا الانتهاك الصارخ”.
وأضاف الديك أن القيادة الفلسطينية ستدرس القرار وستتخذ، بالتنسيق مع الدول الصديقة والشقيقة، الإجراءات الدبلوماسية اللازمة لمواجهته. وأكد أن هذه الخطوة الأمريكية “لن تنجح في إيقاف سيل الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، ولن تؤثر على الإجماع الدولي المتنامي المطالب بإنهاء الاحتلال ووقف جرائم الإبادة والتهجير والضم”.
من جانبها، بررت وزارة الخارجية الأمريكية الخطوة بأنها تستند إلى “القانون الأمريكي”، موضحة أن وزير الخارجية ماركو روبيو أصدر قرارًا بإلغاء تأشيرات أعضاء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وزعمت الوزارة أن القرار يأتي بسبب “عدم التزام الفلسطينيين بتعهداتهم وتقويضهم لآفاق السلام”، متهمة منظمة التحرير والسلطة بـ”عدم نبذ الإرهاب والتحريض على العنف”، فضلاً عن “شن حملات قانونية دولية ضد إسرائيل” عبر المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
وفي بيان منفصل عبر منصة “إكس”، قال نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، تومي بيغوت:
“قبل أن نأخذ السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير على محمل الجد كشركاء في عملية السلام، عليهم أن يرفضوا الإرهاب بشكل قاطع، وأن يتوقفوا عن السعي غير المثمر للاعتراف الأحادي بدولة افتراضية”.
القرار الأمريكي هذا تزامن مع تصاعد الحراك الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، إذ أطلقت 15 دولة غربية، بينها فرنسا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والبرتغال، أواخر يوليو/تموز الماضي، نداءً جماعيًا يدعو إلى الاعتراف بفلسطين ووقف إطلاق النار في قطاع غزة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أعلنت كل من بريطانيا وفرنسا وأستراليا نيتها المضي في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة المقبلة، ليضاف ذلك إلى أكثر من 149 دولة من أصل 193 عضوًا في الأمم المتحدة كانت قد اعترفت بفلسطين منذ إعلان قيامها عام 1988.
ويأتي القرار أيضًا، في وقت رفعت فيه واشنطن مؤخرًا العقوبات التي كانت قد فرضتها على مستوطنين إسرائيليين متهمين بممارسة العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، فيما شددت في الوقت نفسه من إجراءاتها العقابية ضد مسؤولي السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، متهمة إياهم بـ”تدويل الصراع” من خلال التوجه إلى الهيئات الدولية.
وبينما تصف القيادة الفلسطينية الخطوة الأمريكية بأنها محاولة فاشلة لعرقلة الاعتراف الدولي المتصاعد بفلسطين.
يرى مراقبون أن الأزمة تضع الأمم المتحدة نفسها أمام اختبار صعب يتعلق بمدى التزام واشنطن باتفاقية المقر لعام 1947، التي تضمن حيادية استضافة المنظمة الدولية، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة للدولة المضيفة.