محمد عبد الله
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تعيش الأسواق الفلسطينية حالة من الترقب والحذر، في ظل أوضاع اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في القدرة الشرائية للمواطنين، نتيجة الأزمة المالية المتواصلة، وصرف الرواتب منقوصة، وارتفاع معدلات البطالة، ما انعكس بشكل مباشر على الحركة التجارية في المدن والبلدات.
في إحدى بلدات شرق رام الله، يقول عبد الرحمن أحمد، صاحب محل لبيع المواد الغذائية والأدوات المنزلية، إن الحركة التجارية شهدت نوعًا من النشاط النسبي منذ يوم الاثنين الماضي، بعد فترة طويلة من الركود.
ويضيف أحمد في حديثه لموقع بالغراف: “لاحظنا خلال الأيام الماضية إقبالًا أفضل من الأسابيع السابقة، لكننا لا نعرف إن كان السبب صرف جزء من رواتب الموظفين العموميين، أم اقتراب شهر رمضان الذي يدفع الناس للاستعداد ولو بالحد الأدنى”.
ويتابع: “الحركة التجارية كانت ضعيفة جدًا حتى اليومين الأخيرين قبل رمضان، ويمكن القول إنها أفضل قليلًا من عامي الحرب، لكنها لا تقارن أبدًا بالسنوات التي سبقت الحرب، حين كانت الأسواق تعج بالزبائن، وتستمر الحركة حتى ساعات متأخرة من الليل”.
ويشير أحمد إلى أن سلوك المستهلكين تغيّر بشكل واضح، قائلاً: “الناس اليوم تركز على شراء الأساسيات فقط؛ الطحين، الزيت، السكر، الأرز، وبعض المواد الضرورية، وهناك تراجع كبير في شراء الكماليات والأدوات المنزلية غير الضرورية، ويبدو أن الجميع يحاول الاقتصاد في مصروفاته قدر الإمكان”.
من جانبه، يعبّر الموظف الحكومي فواز البرغوثي عن قلقه من الوضع المعيشي المتدهور، مؤكدًا أن الراتب المجتزأ لم يعد قادرًا على تلبية متطلبات الحياة، خاصة في شهر رمضان.
ويقول البرغوثي: “الراتب الذي نتقاضاه حاليًا لا يكفي لتغطية احتياجات العائلة الأساسية في هذا الشهر، وسيحرمنا من كثير من الأمور التي اعتدنا عليها في رمضان، سواء من حيث الطعام أو الحلويات أو حتى الجلسات العائلية”.
ويضيف في حديثه لـ”بالغراف”: “رمضان هذا العام لا يشبه العام الماضي، رغم أن الراتب كان مجتزأ أيضًا، لكنه كان أفضل نسبيًا، وكان هناك نوع من الانتظام في صرفه، أما هذا العام فالوضع أصعب، ولا يوجد أي وضوح حول المستقبل”.
ويتابع البرغوثي بنبرة مليئة بالقلق: “أكثر ما يقلقني هو الشهر القادم الذي يسبق عيد الفطر، فتصريحات وزير المالية الأخيرة كانت مليئة بالمخاوف، ولا تبشر بالخير، وهذا يجعلنا نتوقع أن يكون راتب هذا الشهر ربما الأخير، وقد يتبعه انقطاع طويل”.
ويشير إلى أن هذا الواقع يدفعه إلى مزيد من التقشف، قائلاً: “نحاول تقليل كل شيء، نؤجل شراء الملابس، نخفف من المصروف اليومي، ونحسب كل شيقل، لأننا لا نعرف ماذا ينتظرنا”.
ويقول بحسرة: “كثير من العادات الرمضانية التي اعتدنا عليها، مثل العزائم وزيارات الأقارب، قد لا أستطيع الالتزام بها هذا العام، فأقل عزومة بسيطة قد تكلف ألف شيقل أو أكثر، وهذا يعادل نصف الراتب تقريبًا”.
وفي محافظة طولكرم مع استمرار عدوان الاحتلال على شمال الضفة الغربية، تبدو الصورة أكثر قتامة، حيث يصف رئيس الغرفة التجارية قيس عوض الوضع الاقتصادي بالسيئ للغاية، في ظل الإغلاقات المتواصلة ومحدودية الحركة.
ويقول عوض: “جميع مداخل المدينة مغلقة تقريبًا، ولا يوجد حركة طبيعية، وفقط يوم السبت الماضي تم فتح حاجز جبارة لعدة ساعات، وهو ما أدى إلى انتعاش مؤقت في الأسواق، مع قدوم فلسطينيي الداخل”.
ويضيف: “خلال تلك الساعات القليلة، لاحظنا حركة غير معتادة، وازدحامًا في الأسواق والمطاعم والمحلات، وهذا يؤكد مدى أهمية فتح المعابر لتنشيط الاقتصاد”.
ويتابع عوض: “نسبة البطالة في المحافظة وصلت إلى نحو 54%، والمواطنون اليوم يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام: عامل في الداخل أصبح متعطلًا، موظف يتقاضى راتبًا منقوصًا، ومزارع يعاني من تحديات كبيرة بسبب الحصار والحواجز وقلة التسويق”.
ويؤكد أن اقتصاد المدينة يعتمد بشكل رئيسي على هذه الفئات، بالإضافة إلى الزائرين من الداخل، قائلاً: “عندما تتضرر هذه المكونات الثلاثة، وتُمنع زيارات أهالي الداخل، تصبح الأسواق شبه مشلولة، ويفضل بعض التجار إغلاق محالهم بدل فتحها دون وجود متسوقين”.
ويشير عوض إلى جهود الغرفة التجارية لتنشيط الحركة، موضحًا: “نحاول التواصل مع النشطاء والمؤثرين والمجالس المحلية في الداخل، لتشجيع زيارة طولكرم، لأن وجودهم ينعكس مباشرة على الأسواق”.
ويضيف: “يوم السبت فقط، سُجل خروج نحو 1700 سيارة إلى مناطق الداخل بعد زيارتها للمدينة، إضافة إلى سيارات غادرت عبر حواجز أخرى، وهذا رقم كبير خلال ساعات محدودة”.
ويؤكد أن المطلوب هو فتح المعابر بشكل دائم، قائلاً: “استمرار فتح حاجز جبارة سيساهم في إنعاش الأسواق وتخفيف الأزمة عن التجار والمواطنين”.
في السياق ذاته، كان وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة قد حذر من أن الوضع المالي لـ السلطة الوطنية الفلسطينية بات “خطيرًا للغاية”، نتيجة امتناع إسرائيل عن تحويل أموال المقاصة للشهر العاشر على التوالي.
وأوضح سلامة أن إسرائيل تحتجز نحو 4.4 مليار دولار من أموال المقاصة، التي تشكل ما يقارب 70% من الإيرادات العامة، مؤكدًا أن المؤسسات الحكومية تعمل بأقل من الحد الأدنى، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والأمن، مع حاجة شهرية تقارب مليار شيقل.
وقال سلامة في تصريحاته: “استنفذنا كل حلول الأرض، والنتيجة الطبيعية لهذه الظروف هي الانهيار”، محذرًا من استمرار الأزمة دون أفق واضح للحل.
وبين آمال محدودة بانتعاش موسمي، وواقع اقتصادي ضاغط، يستقبل الفلسطينيون شهر رمضان هذا العام بقلوب مثقلة بالهموم، وأسواق تترقب أي انفراجة، في ظل أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية، وتفرض على العائلات والتجار معًا واقعًا جديدًا عنوانه التقشف والصبر وانتظار المجهول.




