loading

4 آلاف مريض سرطان بين الحياة والموت بسبب نفاذ الأدوية

محمد عبد الله

تتجه الأزمة الدوائية في فلسطين نحو مرحلة أكثر خطورة، مع تحذيرات رسمية من نفاد مئات الأصناف الدوائية والمستهلكات الطبية، وتهديد حياة آلاف المرضى، خاصة مرضى السرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة. 

وفي وقت تؤكد فيه وزارة الصحة أن احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة يقف خلف التدهور المتسارع في المخزون الدوائي، يرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة المالية الخانقة ألقت بظلالها على مختلف مفاصل القطاع الصحي، وفاقمت من صعوبة وفاء الحكومة بالتزاماتها تجاه شركات الأدوية والموردين.

وأطلقت وزارة الصحة الفلسطينية تحذيراً شديد اللهجة من تفاقم أزمة الأدوية والمستلزمات الطبية في المستشفيات الحكومية، مؤكدة أن حياة أكثر من أربعة آلاف مريض سرطان وآلاف مرضى غسيل الكلى باتت مهددة بسبب النقص الحاد في الأدوية الأساسية والحيوية.

وقالت الوزارة في بيان صحفي إن أكثر من ثلث الأصناف المدرجة ضمن قائمة الأدوية الأساسية وصل رصيدها إلى الصفر، في حين تواجه المستودعات المركزية نقصاً متزايداً في المستهلكات الطبية والمواد المخبرية اللازمة لاستمرار تقديم الخدمات الصحية.

ووفق بيانات الوزارة، فقد بلغ عدد الأصناف الدوائية الأساسية التي نفدت بالكامل نحو 180 صنفاً من أصل 520 صنفاً توفرها الوزارة، فيما وصل عدد أدوية الأورام التي سجلت رصيداً صفرياً إلى 50 صنفاً من أصل 97 صنفاً.

كما سجلت المستودعات المركزية نقصاً حاداً في فلاتر غسيل الكلى والخيوط الجراحية ومواد القسطرة القلبية، إضافة إلى 79 صنفاً مخبرياً و265 مستهلكاً طبياً تخصصياً وصلت أرصدتها إلى الصفر.

وأكدت الوزارة أن الأزمة المالية التي تمر بها الحكومة الفلسطينية انعكست بشكل مباشر على قدرتها على شراء الأدوية وسداد مستحقات الموردين، مشيرة إلى أن استمرار احتجاز إسرائيل لعائدات الضرائب الفلسطينية “أموال المقاصة” منذ أكثر من 15 شهراً تسبب في إضعاف قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه شركات الأدوية ومزودي الخدمات الصحية.

وفي هذا السياق، قال الباحث الاقتصادي ثابت أبو الروس إن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن أزمة المقاصة التي تعصف بالمالية العامة الفلسطينية منذ أشهر طويلة.

وأوضح أبو الروس في تعقيب لموقع “بالغراف” أن الحكومة الفلسطينية عندما تعد موازناتها السنوية تأخذ بعين الاعتبار النفقات التشغيلية والالتزامات المالية المختلفة، ومن بينها الالتزامات المترتبة على القطاع الصحي وشركات الأدوية والمستشفيات، إلا أن الظروف المالية الاستثنائية التي تمر بها السلطة الفلسطينية جعلت الوفاء بهذه الالتزامات أمراً بالغ الصعوبة.

وأضاف أن موازنة عام 2026 أُقرت في ظل ظروف مالية غير مسبوقة، حيث أعلنت الحكومة أنها تدير الأزمة بإمكانات محدودة جداً لا تتجاوز جزءاً يسيراً من الموارد التي يفترض أن تكون متاحة لها.

وأشار إلى أن أموال المقاصة تشكل ما يقارب ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، وبالتالي فإن استمرار اقتطاعها أو احتجازها ينعكس مباشرة على قدرة الحكومة على الإنفاق في القطاعات المختلفة، وعلى رأسها القطاع الصحي.

وقال أبو الروس إن انعكاسات أزمة المقاصة لم تقتصر على الرواتب أو النفقات التشغيلية، بل امتدت إلى قدرة الحكومة على شراء الأدوية وتسديد المستحقات المتراكمة لشركات التوريد، الأمر الذي أدى إلى تراجع حجم الإمدادات الدوائية ووصول العديد من الأصناف إلى مستويات حرجة.

ورداً على تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة ناتجة عن سوء إدارة أم عن نقص الموارد، اعتبر أبو الروس أن العامل الرئيسي يتمثل في أزمة المقاصة، موضحاً أن الحكومة تعتمد بشكل أساسي على هذه الإيرادات في تمويل التزاماتها المختلفة، بما فيها مشتريات الأدوية والخدمات الطبية.

وأضاف أن حجم الديون المتراكمة على القطاع الصحي وقطاع الأدوية يعكس عمق الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، مؤكداً أن المبالغ المستحقة للقطاع الطبي تتجاوز ملياري شيقل، ما يجعل من الصعب معالجة الأزمة دون توفير مصادر تمويل مستقرة أو الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة.

وتشير بيانات وزارة الصحة إلى أن إجمالي مديونية الوزارة بلغ نحو 3.8 مليار شيقل، من بينها 1.3 مليار شيقل لصالح موردي الأدوية والمستهلكات الطبية.

وكان اتحاد موردي الأدوية قد أعلن في وقت سابق أن الشركات الموردة وقعت اتفاقاً مع الحكومة يقضي بدفع 30 مليون شيقل شهرياً لتقليص الديون المتراكمة، إلا أن الحكومة لم تتمكن من الالتزام بالدفعات المتفق عليها، حيث لم تُصرف خلال العام الجاري سوى دفعة واحدة بقيمة 15 مليون شيقل.

ورغم ذلك، يؤكد أبو الروس أن الحكومة حاولت خلال إعداد موازنة عام 2026 إعطاء الأولوية للقطاعات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، إلا أن حجم الموارد المتاحة لا يزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية.

في المقابل، انعكست الأزمة المالية على الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، حيث كشفت الوزارة عن تأجيل أكثر من 11 ألف عملية جراحية مبرمجة بسبب نقص المستلزمات الطبية والخيوط الجراحية، إضافة إلى تأثيرات الإضرابات وتقليص ساعات العمل داخل المؤسسات الصحية.

كما حُرم عشرات آلاف المرضى من الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأولية والعيادات التخصصية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على النظام الصحي الفلسطيني نتيجة استمرار الحرب والأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة.

وأكدت الوزارة أن الأزمة الحالية لا تهدد فقط المرضى والمؤسسات الصحية الحكومية، بل تمتد أيضاً إلى شركات الأدوية والموردين ومقدمي الخدمات الصحية الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة تراكم المستحقات وتأخر السداد، الأمر الذي يؤثر على استدامة سلاسل التوريد والإمداد الطبي.

وفي ختام بيانها، وجهت وزارة الصحة نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والمانحين لتوفير أدوية ومستهلكات طبية منقذة للحياة بقيمة لا تقل عن 100 مليون دولار، إضافة إلى تقديم دعم مالي عاجل يضمن استمرار الخدمات الصحية ودفع رواتب العاملين في القطاع الصحي.

وتحذر الوزارة من أن استمرار احتجاز أموال المقاصة وتفاقم الأزمة المالية قد يدفع القطاع الصحي الفلسطيني إلى مرحلة أكثر خطورة، تهدد قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على تقديم الخدمات الأساسية، وتضع حياة آلاف المرضى أمام تحديات غير مسبوقة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني