محمد عبد الله
“هذه آخر مرة ستراني فيها… لقد أحضروني إلى هنا لكي يقتلوني”. بهذه الكلمات الصادمة اختصر الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، خلال لقائه بمحاميه داخل سجن الاحتلال، حجم الخطر الذي يتهدد حياته، في شهادة أعادت تسليط الضوء على ظروف اعتقاله القاسية، وأطلقت موجة تحذيرات من مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية من أن ما يتعرض له لم يعد مجرد انتهاكات داخل السجن، بل قد يندرج ضمن محاولة تصفية بطيئة وممنهجة، في ظل استمرار تعذيبه، وحرمانه من العلاج، وتدهور حالته الصحية بصورة خطيرة.
وتتزايد المخاوف على حياة الطبيب حسام أبو صفية، أحد أبرز الأطباء الذين عملوا على إنقاذ الجرحى خلال الحرب على قطاع غزة، بعد معطيات جديدة كشفت عنها جمعية أطباء لحقوق الإنسان ونادي الأسير الفلسطيني، استنادًا إلى زيارة أجراها المحامي ناصر عودة، أظهرت تدهورًا غير مسبوق في حالته الصحية، وتصاعدًا في ظروف التعذيب والعنف التي يتعرض لها داخل السجون الإسرائيلية.
وخلال الزيارة، قال أبو صفية لمحاميه: “هذه آخر مرة ستراني فيها… لقد أحضروني إلى هنا لكي يقتلوني”، في تصريح وصفته المؤسسات الحقوقية بأنه يعكس حجم الخطر الحقيقي الذي يواجهه داخل المعتقل، ويؤشر إلى تصاعد الانتهاكات بحقه.
ونقل المحامي ناصر عودة أن الدكتور أبو صفية أُحضر إلى الزيارة وهو مقيد اليدين والقدمين، ومحاط بعدد من السجانين الملثمين، فيما بدت على جسده إصابات وكدمات حديثة، خاصة في منطقة الرأس.
وأضاف أن الطبيب كان يعاني صعوبة واضحة في التنفس والتحدث بصورة متواصلة، وبدا في حالة إنهاك شديد، وعلى وشك فقدان الوعي، كما كان مترددًا في الحديث بحرية خوفًا من تعرضه لمزيد من العقوبات والتنكيل بعد انتهاء الزيارة.
وكشف أبو صفية لمحاميه أنه، وبعد فترة قصيرة من جلسة استئناف عُقدت في المحكمة العليا الإسرائيلية، اقتحم عدد من السجانين زنزانته في سجن غانوت، واعتدوا عليه بالضرب، قبل أن يُنقل لاحقًا إلى قسم “ركيفت” في سجن نيتسان بمدينة الرملة، حيث أكد أنه يتعرض يوميًا للضرب والعنف، وأنه فقد الوعي عدة مرات، من دون أن يتلقى أي علاج طبي.
من جهتها، قالت جمعية أطباء لحقوق الإنسان إن الحالة الصحية للدكتور أبو صفية شهدت تدهورًا خطيرًا عقب نقله إلى قسم “ركيفت”، وهو قسم تحقيقات يقع تحت الأرض، مطالبة بنقله فورًا من هذا القسم، والسماح بزيارة عاجلة من قبل قاضٍ للاطلاع على وضعه الصحي قبل فوات الأوان.
بدوره، اعتبر نادي الأسير الفلسطيني أن المعطيات الجديدة تؤكد أن سلطات الاحتلال تمضي في تصعيد استهدافها المباشر للدكتور أبو صفية، عبر إخضاعه لمنظومة تعذيب ممنهجة وظروف اعتقال قاسية تهدف إلى استنزافه جسديًا ونفسيًا، معتبرًا أن ما يجري يمثل امتدادًا لمحاولات تصفيته داخل السجون.
وأوضح النادي أن نقل أبو صفية إلى قسم “ركيفت” يشكل تصعيدًا بالغ الخطورة، لارتباط هذا القسم بعشرات الإفادات التي وثقت تعرض معتقلين للتعذيب الوحشي، والتجويع، والإذلال، والعزل، والحرمان من العلاج، مؤكدًا أن هذه البيئة تجعل حياة المعتقلين عرضة للخطر في كل لحظة.
ورأى نادي الأسير أن استمرار احتجاز الطبيب الفلسطيني دون توجيه أي تهمة، استنادًا إلى ما يسمى بقانون “المقاتل غير الشرعي”، يكشف عن استخدام هذا القانون لتوفير غطاء قانوني لاستمرار اعتقاله وتعريض حياته للخطر، رغم الجهود القانونية المبذولة للإفراج عنه.
وأكد النادي أن استمرار اعتقال أبو صفية، الذي عُرف بدوره في علاج المصابين خلال الحرب على غزة، يعكس سياسة تستهدف الكوادر الطبية الفلسطينية، سواء عبر القتل والاستهداف المباشر في الميدان، أو من خلال الاعتقال والتعذيب والتجويع والحرمان من العلاج داخل السجون.
وطالب نادي الأسير المجتمع الدولي، وهيئات الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالانتقال من بيانات الإدانة إلى خطوات عملية وعاجلة تضمن حماية الدكتور أبو صفية، والإفراج عنه وعن جميع الكوادر الطبية المعتقلة، محذرًا من أن استمرار الصمت الدولي يفتح الباب أمام وقوع جريمة جديدة داخل السجون.
وحمّل النادي سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة ومصير أبو صفية، إلى جانب عشرات الأطباء المعتقلين وجميع الأسرى الفلسطينيين، كما حمّل الدول التي تواصل تقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل مسؤولية استمرار الانتهاكات المرتكبة بحق الأسرى.
وتشير أحدث المعطيات إلى أن عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بلغ حتى مطلع تموز/يوليو الجاري نحو 9400 أسير، بينهم 1320 معتقلًا تصنفهم سلطات الاحتلال ضمن ما يسمى “المقاتلين غير الشرعيين”، وهم محتجزون دون لوائح اتهام أو محاكمات، إلى جانب آلاف المعتقلين الإداريين.
كما يواصل الاحتلال إخفاء مصير مئات المعتقلين من قطاع غزة، وسط رفض الكشف عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية، في وقت تتوالى فيه الشهادات التي تتحدث عن التعذيب والتجويع والإهمال الطبي داخل مراكز الاعتقال.
وبحسب نادي الأسير، فقد استشهد منذ بدء الحرب على غزة أكثر من 100 أسير داخل السجون والمعسكرات الإسرائيلية، أُعلن عن هويات 90 منهم، في حصيلة تعكس تصاعد الانتهاكات بحق الأسرى، وسط تحذيرات من أن استمرار ما يتعرض له الطبيب حسام أبو صفية قد يجعله




