جيفارا سمارة
أحال الفنان بشار خلف حاويات القمامة في شوارع رام الله إلى سجل بصري لتاريخ فلسطيني لم تنتهِ مراحله بعد. تبدأ السلسلة بحاوية صَدِئَ سطحها، مستعيدة النكبة وما خلّفته من اقتلاع وغياب، ثم حاوية تحمل النجمة السداسية بوصفها أثرًا للاحتلال، وثالثة كُتب عليها “الثورة” تستحضر المقاومة، ورابعة هي مرحلة أوسلو بما راكمته من وعود وتناقضات، وصولًا للأخيرة التي تحمل كلمة «طعاريس»، في إحالة إلى الحاضر الذي أعقب الإبادة في غزة، وتغول استيطاني يتقدم في الضفة الغربية ويقترب من أبواب رام الله.
لا تظهر الحاويات في معرض «حقل الأحلام»، الذي افتتح في مؤسسة عبد المحسن القطان برام الله وفي 4 تموز ويستمر حتى 5 ايلول، بوصفها أوعية مهملة أو استعارة جاهزة لـ«النفايات السياسية»، بل شواهد حملت علامات كل مرحلة: الصدأ والرصاص والشعارات وآثار الحرائق، وتتحول لجلد للمدينة يحمل ندوبها؛ والثقوب تذكير بأن الأجسام المعدنية التي احتمى خلفها الشبان خلال المواجهات لم تكن دروعًا حقيقية، إذ كان الرصاص يخترقها ويصل أحيانا إلى من احتموا وراءها، واسعة في الشارع، لكنها لا تمنح من يحتمي بها إلا مساحة ضيقة للبقاء.
ينقلنا ذلك إلى عمل «الدرع الواقي»، حيث تظهر حاوية ضخمة مقسمة باللونين الأصفر والأخضر، ومحمّلة بسخرية سوداء. يستدعي العنوان الاجتياح الإسرائيلي للضفة عام 2002، لكنه يُسند إلى جسم عاجز عن توفير حماية مكتملة. والحاوية التي يُفترض أن تستوعب فائض المدينة تصبح هي نفسها فائضًا تاريخيًا يعجز المكان عن التخلص منه.
لا يرسم خلف خطًا مدرسيًا يبدأ بالنكبة وينتهي بالحاضر، بل تاريخًا تتداخل مراحله: الاحتلال لم ينتهِ، والثورة ليست ذكرى مكتملة، وأوسلو ليست فاصلًا نهائيًا. أما الحاوية الأخيرة فتضيف خطرًا جديدًا إلى أخطار لم تُحسم.
رام الله التي نضجت على عجل
رام الله التي كانت حقلًا مفتوحًا قبل أن تنتقل سريعًا إلى مركز إداري واقتصادي وثقافي. لم تنمُ في مراحل هادئة، بل خرجت من طفولتها الريفية إلى مسؤوليات المدينة دفعة واحدة، كإنسان يدخل النضج قبل أن يستكمل طفولته، فتتوزع شخصيته بين ماضٍ لم يختفِ، وحاضر لم يستقر، ومستقبل لا يعرف إن كان حلمًا ممكنًا أم وهمًا بديلًا عن الواقع.
تلك هي المدينة التي يلتقطها «حقل الأحلام»: ذكية وقلقة وسريعة، تنتج الصور أكثر مما تستطيع أحيانا تغيير شروطها. انكمشت الحقول أمام الإسمنت، وتراجعت بيوت قديمة أمام الأبراج والمطاعم، وصارت مدينة الانتفاضة تعرض نفسها أيضًا عبر الفنادق والمقاهي والقلوب الحمراء، لكن المشكلة ليست انها تغيرت؛ فالمدن لا تبقى ثابتة.
فالسؤال هو: من يحدد شكل التغير، ومن يستفيد منه، وما الذي يُحفظ من ذاكرة المكان، وما الذي يُدفن تحت المشروع الجديد؟.
وفي عمل “عيش الحلم”، يستخدم خلف إعلانًا تجاريًا لمشروب غازي براق وجذاب من الأسفل، لكن من أعلاه يغطي مشهد الساحل الذي وصلت بوابات احتلاله الى حي الطيرة، أحد وجوه عمرانها الجديد، حيث يقوم عنوان المعرض على قلب «حقل الألغام» إلى «حقل الأحلام».
فالحلم ليس نقيض اللغم، وإنما غطاؤه أحيانًا، وما يبدو وعدًا بحياة حديثة يخفي خطرًا استيطانيًا لا يبعد سوى دقائق، فيما تحكم البوابات والمكعبات الإسمنتية والمستوطنون الخناق على المدينة.
ولا يدين العمل رغبة الفلسطيني في حياة أفضل، بل ينتقد اللحظة التي يصبح فيها الاستهلاك تعويضًا بصريًا عن الحرية، والإعلان بديلًا عن الساحل، والقدرة على الشراء بديلًا عن القدرة على الحركة.
ليست أزمة أبطال سارتر
قد تغري واجهات رام الله الزجاجية بعض القراءات باستحضار أدبيات الاغتراب في المدن الصناعية الأوروبية: الفرد الوحيد وسط الحشود، والعامل المنفصل عن نتاجه، والمدينة التي تحول سكانها إلى أرقام، لكن أزمة رام الله ليست أزمة أبطال سارتر.
لم تتشكل المدينة نتيجة ثورة صناعية داخل دولة مستقلة راكمت رأس المال والسيادة ثم اكتشفت اغترابها داخل الحداثة. إنها مدينة بلا سيادة، يتحكم الاحتلال بحدود اقتصادها وتوسعها وحركة سكانها، وتحاصرها المستوطنات والطرق الالتفافية وتقسيمات الأرض.
في المدينة الصناعية الأوروبية نشأ الاغتراب من فائض الحداثة الرأسمالية، أما في رام الله فيتعايش مظهر الحداثة مع نقص حاد في السيادة: أبراج ومصارف واتصالات رقمية، لكن حاجزًا عسكريًا يستطيع إغلاق الطريق بين مدينتين، ومشروعات سكنية مرتفعة الكلفة، بينما تتعرض الأرض المحيطة للمصادرة.
لا يعني ذلك أن الرأسمالية والنيوليبرالية والاغتراب مفاهيم عاجزة عن تفسير المدينة، لكنها ليست نقطة البداية ولا الإطار الوحيد. فالنيوليبرالية الفلسطينية تعمل داخل بنية استعمارية تتحكم بالأرض والسوق والحدود، وتستطيع هدم ما بُني وإغلاق الطريق إليه ومصادرة الأرض التي كان يمكن أن يتوسع فوقها.
غابت الدولة وحضرت الأبراج
بعد أوسلو، لم تستقبل رام الله مؤسسات السلطة وحدها؛ فدخلت إليها البنوك وشركات المقاولات والمستثمرون والمنظمات الدولية وأموال المانحين والمشروعات العقارية. التقت السياسة بالتجارة، واختلط وعد الدولة بوعد الاستثمار.
وفي نقد إدوارد سعيد لأوسلو، لا تنفصل التسوية عن طبيعة النخبة التي أدارتها، بما فيها شخصيات ذات مصالح مالية وتجارية. وحين يدخل رجل الأعمال في تصور المستقبل، تتحول الأرض من مجال للذاكرة والزراعة إلى أصل عقاري، ويغدو البناء مجالًا للمضاربة ودليلًا بصريًا على دولة لم تصل.
غابت الدولة وحضرت الأبراج
ويربط كتاب “المدينة الفلسطينية: قضايا في التحولات الحضرية” صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية لـ21 باحثًا وأكاديميًا، التوسع العمراني في مدن الضفة بالضغط الإسرائيلي على الفلسطينيين في مناطق «ج» ودفعهم نحو المراكز الحضرية المكتظة. ويستفيد رأس المال المحلي من ارتفاع الطلب على السكن، فتتداخل الحاجة الفعلية إلى البناء مع الربح العقاري وسياسة استعمارية تضيق إمكان الانتشار الفلسطيني فوق الأرض، لذلك لا تكفي إدانة “الكمبرادور” وحدهم؛ فالمشهد نتاج منظومة تتكامل فيها المصادرة الإسرائيلية، ورأس المال العقاري، وغياب التخطيط، ورغبة السلطة في عرض صورة مدينة حديثة، وهكذا ينتج الإسمنت من الحصار والربح والوهم معًا.
من يملك أن يقول: نحن رام الله؟
رام الله، ثقافيًا واجتماعيًا، أم الغريب؛ مدينة فتحت أبوابها للكل الفلسطيني، وأظهرت تسامحًا وانفتاحًا قد لا توفره مدن أقدم منها، لم تهذب الألفيات والقرون قبليتها أو انغلاقها.
وفي أعمال “نحن رام الله”، يشتبك خلف مع القلب الأحمر الذي ظهر ضمن الحملات الدعائية للمدينة. لا يرفض الفنان الحب، بل يسأل: لماذا تُكتب العبارة بالإنجليزية؟ ولمن تُقدَّم رام الله؟ وهل تستطيع المدينة، حين تتحول إلى علامة تجارية، أن تتسع لذاكرة الذين لا يظهرون في حملاتها؟
يظهر القلب مثقوبًا برصاص الاحتلال، في مواجهة بين ذاكرة الإعلان التي تقدم رام الله مدينة للحياة، وذاكرة الجسد الذي عرف الخوف والعنف في شوارعها. والسؤال ليس: هل نحب رام الله؟ بل: هل نحب المكان أم صورته، وهل ندافع عن المدينة أم نستهلك العلامة المصنوعة لها؟
يقول خلف: “إن الكل يحب مدينة رام الله، ولكن قلائل من يدافعون عنها”.
ويمكن قراءة جانب من العداء الموجّه إلى رام الله من خلال مفهوم “الإزاحة” في علم النفس، ففي الإزاحة يُنقل الغضب من مصدره الأصلي، الذي تبدو مواجهته خطرة أو مستحيلة، إلى هدف أكثر أمانًا، فيخشى الناس من مواجهة نظام الحكم مباشرة لقدرته على معاقبتهم، فيلجأون لإزاحة غضبهم نحو هدف أضعف وأكثر أمانًا هو “المدينة”، فتتحول إلى “كبش فداء”، تحقق تفريغًا جماعيًا مع تعدد مصادر الإحباط، وكأن المدينة صنعت الأزمة، لا كونها الحيز الذي تجمعت داخله التناقضات.
المنارة المختطفة
يتحول سؤال ملكية المدينة إلى صورة أكثر حدة في عمل “اختطاف المنارة”، حيث تنتظم أحذية عسكرية في حركة دائرية تستعيد شكل الدوار والمارش العسكري معًا، حيث يتقاطع العمل مع قراءة عدنية شبلي لميدان المنارة بوصفه فضاء أنتجته سلطات متعاقبة؛ من عمود الإنارة والمراقبة في زمن الاحتلال البريطاني، إلى نصب الأسود وتمثيل العائلات الأصلية، ثم الهدم والاحتلال وإعادة البناء.
لا تحل الأحذية محل الأسود فقط، بل تكشف القوة الكامنة خلف النصب والدوار. فالمنارة ظلت عرضة لإعادة التنظيم والمراقبة والقمع، واختطافها ليس حادثًا واحدًا، بل مسار من اختطاف المجال العام: مرة بالعسكر، ومرة بالنصب الرسمي، ومرة بالسيارات والإعلان، ومرة بالخطاب الذي يحدد من يمثل المدينة ومن يبقى خارج صورتها.
وفي أعمال “حريق الحسبة”، لا يؤدي الفحم وظيفة اللون الأسود فقط، بل يستعيد مادة الاحتراق. يحمل الورق أثر الرماد، وتستحضر الخطوط الزينكو والأسلاك وبقايا السوق. فالحريق ليس رمزًا مجردًا لاحتراق الحلم، بل حدث أصاب فضاءً شعبيًا وكشف هشاشة البنية التحتية وترك أثره في ذاكرة العمال وأصحاب المحال.
المدينة ليست وهمًا كاملًا
لا يدعو المعرض إلى هدم حلم المدينة، بل إلى تحريره من الصورة الدعائية؛ فالحلم المنطلق من الواقع قد يغيره، أما الوهم فيحل محله ويمنع رؤيته.
وتبقى الحاويات أقدر أعمال المعرض على حمل فكرته: فالجسم المصمم لاستقبال الأشياء المنتهية يقول إن شيئًا في التاريخ الفلسطيني لم ينتهِ. النكبة ليست صدأً قديمًا، والاحتلال ليس نجمة باهتة، والثورة ليست شعارًا من الماضي، وأوسلو ليست وثيقة في الأرشيف، والإبادة ليست بعيدة عن رام الله.
كل مرحلة تقيم داخل الأخرى، وكل حاوية تحمل بقايا سابقاتها. أما المدينة فتمضي في البناء، كمن يحاول أن يلد نفسه تحت الاحتلال؛ يتغير كي يبقى، ويحلم كي يقاوم، لكنه يظل مطالبًا بالتمييز بين حلم يفتح الواقع ووهم يحل محله.




