هيئة التحرير
لم يعد الإنترنت في المنزل الفلسطيني مجرد وسيلة للتصفح والترفيه، بل تحول إلى ضرورة أساسية ترتبط بالتعليم والعمل وإجراء المعاملات والخدمات المختلفة، خصوصًا في ظل القيود على الحركة والإغلاقات المتكررة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية.
ومع اتساع الاعتماد على التعليم والعمل عن بُعد، وتزايد عدد الأجهزة المستخدمة داخل المنزل في الوقت نفسه، تبرز تساؤلات حول السرعة التي يحتاجها المنزل الفلسطيني فعليًا، وما إذا كانت حزم الإنترنت التي توفرها شركة الاتصالات الفلسطينية – جوال، قادرة على تلبية هذه الاحتياجات، خصوصًا لدى الأسر الكبيرة التي تتشارك اتصالًا واحدًا.
وفي حوار خاص مع موقع “بالغراف”، يوضح الدكتور واصل غانم، الأستاذ المتخصص في التكنولوجيا والحاسوب في جامعة بيرزيت، الاحتياجات التقنية للمنزل الفلسطيني، والفارق بين مجرد امتلاك اتصال بالإنترنت وبين امتلاك اتصال سريع ومستقر قادر على تلبية الاستخدامات المتزامنة لأفراد الأسرة.
كم ميغابت يحتاج المنزل؟، يقول الدكتور واصل غانم رداً على السؤال: “تقنيًا، الإجابة عن سؤال “كم ميغابت يحتاج بيتي؟” واضحة نسبيًا: تصفح الإنترنت والبريد الإلكتروني يحتاجان من 1 إلى 3 ميغابت في الثانية فقط، بينما تحتاج مشاهدة فيديو بجودة عالية (HD) من جهاز واحد نحو 3-5 ميغابت، أما الاستخدام المتزامن لعدة أجهزة مع بث فيديو وألعاب واتصالات مرئية فيتطلب عادة 25 ميغابت فأكثر، وترتفع الحاجة إلى 50 أو حتى 100 ميغابت في البيوت التي يعمل أو يدرس فيها أكثر من فرد عن بُعد في الوقت نفسه. لكن هذه المعادلة التقنية البسيطة تصطدم بواقع فلسطيني أكثر تعقيدًا حين تُترجم إلى احتياج فعلي على الأرض.”
ويضيف غانم: “فبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن نحو 92% من الأسر الفلسطينية لديها أو لدى أحد أفرادها إمكانية النفاذ إلى خدمة الإنترنت في المنزل. هذا الرقم مطمئن ظاهريًا، لكنه لا يخبرنا شيئًا عن “جودة” هذا النفاذ ولا عن كفايته الفعلية لاحتياجات اليوم: فوجود اتصال ما لا يعني أنه يرقى لمستوى 25 أو 50 ميغابت التي باتت ضرورية فعليًا، خصوصًا في البيوت التي لا تزال تعتمد على خطوط نحاسية قديمة بعيدًا عن مناطق تغطية الفايبر، أو على شريحة هاتف محمول تعمل بتقنية الجيل الثالث فقط كخيار وحيد.”
كما تابع غانم “والأهم أن هذا الرقم لا يميّز بين أسرة لديها خط فايبر أو ADSL ثابت داخل المنزل، وأخرى “متصلة” فقط عبر حزمة بيانات على هاتف فرد واحد من أفرادها، وهو فارق جوهري عند الحديث عن قدرة البيت كله على استخدام الإنترنت في آن واحد.”
الاحتلال يرفع الحاجة إلى الإنترنت السريع
ويشير غانم إلى أن الحاجة إلى الإنترنت السريع والمستقر في الحالة الفلسطينية ترتبط أيضًا بظروف الاحتلال، قائلًا: “والمفارقة أن حاجة البيت الفلسطيني للإنترنت السريع والمستقر ازدادت تحديدًا بسبب ظروف الاحتلال لا رغم عنها: فمع انتشار أكثر من 870 حاجزًا وبوابة عسكرية في الضفة الغربية، وإغلاقات متكررة تمنع الطلاب والموظفين من الوصول إلى مدارسهم وأماكن عملهم، تحوّل الإنترنت المنزلي من “رفاهية” إلى خط حياة فعلي للتعليم عن بُعد والعمل من المنزل والمعاملات المصرفية والحكومية الرقمية.”
وأردف المحاضر الجامعي “وأي انقطاع أو بطء في هذا الخط يعني توقفًا فعليًا عن الدراسة أو العمل أو حتى تلقي المساعدات، كما ظهر بوضوح في قطاع غزة حيث يضطر بعض الطلاب للمشي مسافات طويلة بحثًا عن نقطة اتصال، بعد أن دمّرت الحرب الأخيرة أكثر من 80% من شبكة الاتصالات هناك.”
سرعة الرفع لا تقل أهمية عن التنزيل
ولا تقتصر المشكلة، بحسب غانم، على سرعة تنزيل البيانات، إذ يقول: “كذلك فإن سرعة “الرفع” (Upload) لا تقل أهمية عن سرعة “التنزيل” في هذا السياق الفلسطيني تحديدًا، إذ تعتمد مكالمات الفيديو للعمل والتعليم عن بعد – التي أصبحت بديلًا شبه دائم بسبب القيود على الحركة – على جودة الرفع بقدر اعتمادها على سرعة التنزيل، وهي نقطة كثيرًا ما تغيب عن وعي المشتركين عند اختيار حزمهم، إذ تركّز أغلب الإعلانات التسويقية على رقم التنزيل وحده.”
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الخدمات التي توفر سرعات متوازنة للرفع والتنزيل، إذ تتيح شركة الاتصالات الفلسطينية – جوال، من خلال خدمة جوال فايبر، سرعات رفع وتنزيل متساوية، بما يعزز قدرة المشتركين على التعامل مع تطبيقات مكالمات الفيديو والتعليم والعمل عن بُعد، إلى جانب الاستخدامات اليومية الأخرى للإنترنت
ويلفت غانم كذلك إلى أن حجم الأسرة الفلسطينية وطبيعة استخدامها للإنترنت يفرضان احتياجات إضافية، موضحًا: “وهناك أيضًا فارق بين حجم الأسرة الفلسطينية، الذي يميل لأن يكون أكبر من المتوسط العالمي مع تعدد الأجيال أحيانًا تحت سقف واحد، وبين تصميم الحزم المعروضة أصلًا لمستخدم أو مستخدمين لا لأسرة ممتدة بأكملها تتشارك الاتصال نفسه في أوقات الذروة المسائية.”
25 إلى 50 ميغابت كحد أدنى
ويخلص غانم إلى أن احتياجات الأسرة الفلسطينية اليوم تتطلب سرعات أعلى واستقرارًا أكبر في الاتصال، قائلًا: “خلاصة القول إن المنزل الفلسطيني اليوم، بمتوسط عدد أفراده وتعدد استخداماته المتزامنة، يحتاج فعليًا إلى اتصال لا يقل عن 25-50 ميغابت في الثانية بشكل مستقر ليواكب الحد الأدنى من متطلبات العصر. وهو معيار ما زال بعيد المنال عن نسبة واسعة من الأسر خارج المدن الكبرى، وغائبًا كليًا عن مئات آلاف الأسر في قطاع غزة التي لا تزال تفتقر لأبسط أشكال الاتصال المستقر.”




