عرين فحماوي
في الضفة الغربية، لا يبدأ فقدان موسم الزيتون عند القطاف فقبل أن تمتد أيادي المزارعين إلى أغصان الزيتون، تكون بعض الأشجار قد دخلت أصلًا في دائرة أخرى: أرض مهددة، منشأة مخطرة، طريق وصول مقيد، أو مساحة لم يعد الوصول إليها كما كان.
في 16 أيلول/سبتمبر 2026 ، تلقى المزارع فايز الطنيب إخطارًا بوقف الأعمال وهدم منشآت في مزرعته (حكورتنا)، الواقعة غرب طولكرم قرب جدار الفصل، ومُنح أسبوعًا للاعتراض على القرار، بعدما كانت عائلته قد تلقت في آب/أغسطس 2025 إخطارًا سابقًا بوقف أعمال البناء في المزرعة.
المزرعة التي تبلغ مساحتها نحو 32 دونمًا، والتي بدأ بها الطنيب نشاطه الزراعي، إلا إن الجدار اقتطع نحو 16 دونمًا منها، فيما بقيت في الجزء الآخر أشجار زيتون وأفوكادو، ودفيئات زراعية مزروعة بالخضروات وفق أساليب الزراعة العضوية، إلى جانب مزارع لتربية الأسماك .
يقول الطنيب في حديث ل”بالغراف” “إن الأمر الجديد لا يعني منشآت مهددة بالهدم فقط، بل يمس النشاط الزراعي الذي أقامته عائلته في المكان، فالمزرعة تضم أكثر من نوع من الإنتاج، وأي إجراء يطال منشآتها ينعكس على الأرض التي يعتمد عليها هذا النشاط، و الأراضي المستهدفة تعيل أكثر من 20 عائلة من أصحاب الأرض والعمال ”
وفي توثيق سابق للأرض، بلغت مساحة أرض الطنيب 88 دونمًا، بينها 12 دونمًا مزروعة بأشجار متعددة، من بينها الزيتون، إلى جانب دفيئات ومخزن زراعي وبركة مياه ومنظومة طاقة شمسية.
وكانت محكمة الاحتلال بالأمس قد جمدت قرار الهدم في حاكورتنا حتى السابع عشر من شهر ديسمبر المقبل.
لكن ما يحدث في مزرعة الطنيب لا يقف عند حدود هذه الأرض، ففي أنحاء مختلفة من الضفة الغربية تضررت الأشجار والأراضي والمنشآت الزراعية خلال عام 2026، بينما يقترب موسم الزيتون الذي يعتمد عليه آلاف المزارعين في إنتاجهم ودخلهم السنوي.
وفي آب/أغسطس وحده ، طالت الأضرار 21,508 أشجار في الضفة الغربية، بينها 19,375 شجرة زيتون، وتوزعت الأشجار المتضررة على محافظات عدة، كان أعلاها سلفيت بـ4,892 شجرة، ثم جنين بـ4,241 ، ونابلس بـ3,718 ، وقلقيلية بـ3,530 شجرة، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان يقول إن حجم الأضرار لا يمكن فصله عن مجمل ما يجري على الأرض، مشيرًا إلى أن الاعتداءات خلال أغسطس لم تقتصر على الأشجار، بل شملت أيضًا الاستيلاء على أراضٍ وهدم منشآت وإصدار إخطارات ومحاولات لإقامة بؤر جديدة.
وبحسب الهيئة فقد شهد الشهر نفسه 2,030 اعتداءً، إلى جانب الاستيلاء على نحو 1,629 دونمًا من أراضي المواطنين، وهدم 155 منشأة وإصدار 44 إخطارًا، فإن استهداف الأشجار يأتي ضمن صورة أوسع مرتبطة بالأرض نفسها، إذ لا تتوقف الإجراءات عند اقتلاع شجرة أو إتلاف محصول، وإنما تمتد إلى تغيير واقع الأرض من خلال الاستيلاء عليها وشق الطرق وإقامة البؤر والمنشآت عليها “.
و تظهر أشجار الزيتون كجزء من معركة أوسع على إمكانية بقاء النشاط الزراعي في الأرض، حيث الأرقام توضح حجم الضرر لكن الوصول إلى الأرض يضيف طبقة أخرى من المشكلة.
في الأراضي الزراعية المعزولة بين الجدار والخط الأخضر، يخضع الوصول إلى الأراضي لنظام من التصاريح والتنسيق المسبق عبر نحو 62 بوابة زراعية، معظمها مغلق طوال العام، وخلال موسم الزيتون عام 2025، فُتحت 74% من هذه البوابات لفترات محدودة فقط، كما يحتاج 98 تجمعًا فلسطينيًا في تسع محافظات إلى تنسيق مسبق للوصول إلى أراضٍ زراعية تقع بالقرب من المستوطنات مرتين في السنة، وهذا يعني أن وجود شجرة الزيتون في الأرض لا يعني بالضرورة أن صاحبها قادر على الوصول إليها في الوقت الذي يحتاجه.
أما على مستوى الضفة الغربية، فتشير الأرقام إلى أن الضرر لا يقتصر على الأراضي القريبة من الجدار، فخلال حزيران/يونيو 2026، طالت الأضرار أشجار زيتون ولوز، وشبكات ري، وأراضي مزروعة، ودفيئات ومنشآت زراعية في عدة محافظات، كما وُثقت عمليات هدم لمنشآت مرتبطة بسبل العيش والمياه والصرف الصحي وغيرها ، بينها عشرات المنشآت في المنطقة المصنفة “ج”.
وتظهر آثار تقييد الوصول على الإنتاج نفسه في بيانات أممية سابقة، فقد كانت إنتاجية أشجار الزيتون الواقعة بين الجدار والخط الأخضر في شمال الضفة أقل بنحو 55 إلى 65% من أشجار مماثلة يمكن الوصول إليها طوال العام.
وفي موسم الزيتون الماضي، لم تكن المشكلة في الوصول وحده فسجل بين الأول من تشرين الأول/أكتوبر ونهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2025، 185 حادثة مرتبطة بموسم الزيتون في 70 تجمعًا فلسطينيًا، وألحقت أضرارًا بأكثر من 6,000 شجرة وشتلة.
ومع اقتراب موسم 2026، تعود المعادلة نفسها، أشجار تتعرض للضرر قبل القطاف، أراضٍ يصبح الوصول إليها أكثر تعقيدًا، ومنشآت تدخل في مسارات الهدم أو الإخطار، ومزارعون يحاولون الوصول إلى ما تبقى من أراضيهم قبل بدء الموسم، وعلى مستوى الضفة الغربية، تقول الأرقام إن آلاف الأشجار دخلت موسم 2026 وهي متضررة أصلًا، قبل أن تصل إليها سلال المزارعين.
لهذا ، فإن السؤال في موسم 2026 ليس فقط كم زيتونة سيحصد الفلسطينيون؟ بل أيضًا كم من الموسم يبقى أصلًا حتى يصلوا إليه؟
فما لم يُحصد لا يعني بالضرورة زيتونًا بقي على الشجرة، قد يكون أرضًا لم يعد الوصول إليها متاحًا كما كان، أو شجرة أُزيلت قبل موعدها، أو منشأة لم تعد قائمة، أو موسمًا تقلصت مساحته قبل أن يبدأ القطاف وفي النهاية، قد لا تكون صورة الموسم الكاملة هي ما تجمعه الأيدي من الثمار، بل ما يبقى للمزارع أصلًا كي يحصده.




