loading

جيل “Z” .. بين صلة الرحم وحدود العلاقات الأسرية

سديل الأغبر

أثار نقاشٌ بين مجموعة من المتدربين خلال ورشة حول «الصحافة الحساسة للنزاعات» جدلًا حول طبيعة العلاقات الأسرية لدى جيل Z، بعدما انقسمت الآراء بين من يرى أهمية التمسك بصلة الرحم والحفاظ على الروابط العائلية، ومن يرى أن بعض العلاقات الأسرية قد تحتاج إلى حدود عندما تصبح مصدرًا للضغط أو الأذى.

هذا النقاش يأتي في ظل تحولات اجتماعية وثقافية انعكست على طريقة تعامل جيل “Z ” مع مفهوم العائلة والقرب بين أفرادها؛ فلم يعد القرب بالنسبة إلى بعض أفراد هذا الجيل مرتبطًا بصلة الدم وحدها، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بمستوى الأمان والاهتمام والدعم الذي توفره العلاقة.

ويُطلق مصطلح جيل “Z” على الأشخاص الذين وُلدوا تقريبًا بين عامي 1997 و2012، وترعرعوا في ظل الانتشار الواسع للإنترنت والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، ما جعلهم أكثر اتصالًا بالعالم الرقمي وتنوعًا في مصادر المعرفة والتأثير.

الخبير في مجال تطوير الذات والتنمية البشرية د. محمد بشارات، أوضح أن جيل “Z” يشهد نوعًا من الابتعاد عن بعض العلاقات مع الأقارب مقابل ازدياد ارتباطه بالأصدقاء والعلاقات الخارجية.
ويربط بشارات ذلك بالتوسع الكبير في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، التي أتاحت لجيل “Z” الانخراط في عالم افتراضي مختلف عن واقعه الاجتماعي المباشر.


ولا يقف تأثير وسائل التواصل، وفق بشارات، عند حدود التواصل، بل يمتد إلى الطريقة التي يقدم بها أفراد جيل “Z” أنفسهم وهوياتهم، إذ يرى أن العالم الافتراضي أتاح لبعض المستخدمين الظهور بصورة أو شخصية مختلفة، ما قد يخلق فجوة بينهم وبين واقعهم وعلاقاتهم الأسرية.

من جانبها ترى الشابة هيفاء طوقان “21 عامًا” بأن وسائل التواصل الاجتماعي سهّلت التواصل مع الأقارب، خاصة البعيدين، وأتاحت استمرار العلاقة رغم المسافات، بينما ترى الشابة سارة “19عامًا” أنها ليست السبب الرئيسي في تغير علاقة جيل “Z” بعائلته، معتبرة أن طريقة التربية وشخصية الفرد والظروف الأسرية عوامل أكثر تأثيرًا، وأن وسائل التواصل ليست سوى أداة يمكن استخدامها بصورة إيجابية أو سلبية.

ولا يقتصر الاختلاف على مفهوم القرب، بل يمتد إلى مسألة الحدود داخل العلاقات الأسرية. فتشير هيفاء إلى أن وضع الحدود حق للفرد عندما يشعر بالضغط أو الأذى، وأن حماية الراحة النفسية لا تعني بالضرورة التخلي عن الأسرة أو قطع العلاقات معها، بل يمكن أن تكون وسيلة للحفاظ على العلاقة بطريقة أكثر توازنًا.


وأضافت أن الخلافات الأسرية لا تعني بالضرورة القطيعة، وإنما يمكن التعامل معها من خلال الحوار والتفاهم ووضع حدود تحافظ على العلاقة دون إلغائها.

بدورها ترى سارة بأن استمرار الضغط والأذى قد يؤثر في الحياة اليومية للشخص، وقد ينعكس على تعليمه وعلاقاته وحضوره الاجتماعي. مبينة أن تقليل الاحتكاك في بعض الحالات قد يكون أفضل لجميع الأطراف، حتى عندما تكون العلاقة مع أحد الأقارب.

ويفسّر بشارات هذا التغير أيضًا باتساع العالم الذي يعيش فيه جيل “Z”، نتيجة الانفتاح على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، الأمر الذي جعل مصادر التأثير والاهتمام لا تقتصر على الأسرة والمجتمع المحيط.


وأكد أن بعض الشخصيات في العالم الافتراضي أصبحوا حاضرين في حياة الشباب بصورة أكبر من بعض القدوات الواقعية داخل الأسرة.

وأوضح بشارات أن الحفاظ على العلاقة بين الأسرة وجيل “Z” لا يعتمد على زيادة الأوامر والتعليمات، وإنما على تطوير أساليب التواصل. مضيفًا أن هناك حاجة من الأسرة إلى الانفتاح على هذا الجيل، والتعرف إلى اهتماماته واحتياجاته وأحلامه وتطلعاته، وبناء علاقة تقوم على الاحتواء والاهتمام والاستماع.

اختلاف آراء أفراد جيل “Z” يوضح أن القضية ليست انقسامًا بسيطًا بين مؤيد لصلة الرحم ومعارض لها، بل يطرح نقاشًا أوسع حول معنى القرب داخل الأسرة. فبعض الشباب ما زال يرى في صلة الدم أساسًا للانتماء والمسؤولية، بينما يعطي آخرون مساحة أكبر لجودة العلاقة وما توفره من دعم واهتمام وأمان.

ويعكس هذا الجدل تحولًا في طريقة نظر جزء من جيل Z إلى العلاقات الأسرية؛ إذ لم يعد السؤال بالنسبة إلى بعضهم مقتصرًا على «من هو قريبي؟»، بل أصبح أيضًا «من يقف إلى جانبي؟ ومن يمنحني الأمان والاهتمام؟».


وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك بالضرورة تراجع قيمة الأسرة، بل يشير إلى محاولة إعادة تعريف القرب داخلها، والموازنة بين الحفاظ على الروابط العائلية والحاجة إلى مساحة شخصية وحدود صحية.

وفي النهاية، لا تبدو المسألة مجرد مفاضلة بين صلة الدم والحدود الشخصية، بل بحثًا عن توازن بين الاثنين. فالحفاظ على الروابط الأسرية يمكن أن يترافق مع الحوار والاحترام وفهم احتياجات أفراد جيل Z، كما أن وضع الحدود لا يعني بالضرورة القطيعة.


وبين هذين الاتجاهين، يعكس النقاش حاجة متزايدة إلى علاقات أسرية تقوم على القرب والاحتواء والاستماع، مع احترام مساحة الفرد وحدوده

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني