loading

لماذا رام الله؟!

جيفارا سمارة

لا يُختزل الواقع الاستيطاني في الضفة الغربية بأعداد المستوطنين فقط، إنما أيضًا بتطوره ديموغرافيًا، وبعدد المستوطنات والبؤر، والتوسع، ومصادرة الأراضي، والطرق الاستيطانية، وعنف المستوطنين، ومنع الوصول إلى الأراضي؛ واقع تفشى عقب أكتوبر/تشرين الأول، فاستحال وباءً تخطّى الحدود، واستحوذ على قرابة 70% من قطاع غزة، يخطط اليمين لاستيطانها، وإحالة الـ30% إلى بؤرة تنخرها الجرذان والأوبئة والجوع كبيئة طاردة؛ أعراض وصلت إلى مدينة الكسوة بريف دمشق، على 20 كم فقط من العاصمة، حيث تتداخل طبقات السيطرة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي، وإعادة تشكيل المجال المدني والديموغرافي، ومحاولة الاستيطان إلى ما وراء خط 1974، وهو ما ينطبق أيضًا على جنوب لبنان.

عدد المستوطنين لا يعكس حجم الاستيطان

في نهاية 2024 لم يكن في محافظة جنين سوى نحو 4,800 مستوطن، وفي طوباس والأغوار الشمالية نحو 3,100؛ أي إن المحافظتين معًا تضمان قرابة 1% فقط من مستوطني الضفة. ومع ذلك، لا يعكس هذا الوزن السكاني الضئيل حجم التأثير على الأرض؛ فالاستيطان في المناطق المفتوحة لا يحتاج بالضرورة إلى كتلة بشرية كبيرة. فالمزرعة أو البؤرة الرعوية تستطيع، بعدد محدود من السكان، أن تستخدم مساحات واسعة للرعي، وأن ترتبط بطريق ترابي أو مصدر مياه، وأن تقلّص وصول الفلسطينيين إلى الأراضي المحيطة بها.

وهنا ينتقل معيار الاستيطان من سؤال: كم مستوطنًا يعيش هنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كم من الأرض أصبح الفلسطيني أقل قدرة على استخدامها؟ هذه النقلة ضرورية لفهم الاستيطان الراهن؛ إذ لم تعد المساحة المبنية هي وحدة القياس الوحيدة، بل مجال السيطرة الذي يتولد حولها.

أعلى مردود جغرافي بأقل كثافة سكانية.. الاستيطان الرعوي نموذجًا

وفي أغسطس/آب الماضي، أشارت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الضفة بلغ 592 مستوطنة، فيما تسيطر إسرائيل على نحو 42% من مساحة الضفة.

وإذا كانت الأوامر وإجراءات الاحتلال تشمل نحو 42% من مساحة الضفة، فإن الرقم لا يعكس وحده حجم السيطرة الفعلية؛ فالسيطرة لا تتم فقط بمصادرة الأرض، بل أيضًا بتقييد القدرة على الوصول والاستخدام. ومع انتشار المستوطنات والبؤر، ولا سيما المزارع الرعوية، واتساع عنف المستوطنين، تُدفع مساحات متزايدة من الأراضي إلى دائرة يصعب الوصول إليها.

وبحسب أحدث بيانات «السلام الآن»، يوجد في الضفة 146 مستوطنة رسمية و390 بؤرة ومزرعة استيطانية، بينها 163 بؤرة و227 مزرعة، فيما تفرض المزارع الرعوية نفوذًا فعليًا على أكثر من 1.1 مليون دونم. ولا تقاس هذه السيطرة بمساحة البناء، وإنما بالمجال الذي تفرغه البؤرة حولها من الاستخدام الفلسطيني.

تكتمل هذه المنظومة بشبكة واسعة من عوائق الحركة. فقد أحصت الأمم المتحدة 925 عائقًا للحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو أعلى رقم تسجله OCHA خلال عشرين عامًا. وتشمل الشبكة 89 حاجزًا دائمًا، و218 حاجزًا جزئيًا، و232 بوابة طرق، فضلًا عن السواتر الترابية والإغلاقات الخطية والحواجز الأخرى. ومن أصل 232 بوابة طرق، هناك 159 تُغلق بصورة متكررة.

ولا يشمل هذا الرقم كل أشكال تعطيل الحركة. ففي عام 2025 وثقت OCHA نشر حواجز طيارة بمعدل يقارب 15 حاجزًا أسبوعيًا، إضافة إلى مناطق عسكرية مغلقة ومنظومات تصاريح وقيود أخرى. كما توجد نحو 62 بوابة زراعية مرتبطة بالجدار، معظمها مغلق طوال العام، وهي ليست جزءًا من بوابات الطرق البالغ عددها 232.

المهم هنا أن الحاجز أو البوابة لا يحتاجان إلى مصادرة مساحة واسعة لإحداث أثر جغرافي كبير. فبوابة واحدة تستطيع أن تفصل قرية عن شارع رئيسي، والحاجز يستطيع تحويل رحلة قصيرة إلى مسار طويل، والطريق المحظور قد يجعل آلاف الدونمات أقل قابلية للاستخدام.

وهكذا يصبح الاستيطان سيطرة على المسافة والزمن، لا على الأرض فقط.

وتكشف أحدث بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن مركز ثقل عنف المستوطنين بدأ يتحرك بوضوح نحو محافظة رام الله والبيرة. فبعد أن تصدرت نابلس الاعتداءات في عامي 2023 و2024، انتقلت الصدارة في 2025 إلى رام الله والبيرة، التي سجلت 1,279 اعتداءً نفذه المستوطنون، مقابل 1,079 في نابلس و1,056 في الخليل. وجاء ذلك ضمن تصاعد أوسع على مستوى الضفة، إذ ارتفع عدد اعتداءات المستوطنين من 2,410 عام 2023 إلى 2,971 في 2024 ثم إلى 5,443 في 2025.

رام الله نموذجًا مكثفًا للثقل الاستيطاني وساحة للإرهاب اليهودي

ولا تقتصر دلالة هذه الأرقام على ازدياد العنف في حد ذاته؛ فالاعتداءات تستهدف الأشخاص والمنازل والمركبات والأشجار والمراعي ومصادر المياه، وترتبط بصورة متزايدة بتقييد الوصول إلى الأرض وخلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين.

وتبرز محافظة رام الله والبيرة بوصفها نموذجًا مكثفًا لهذا التحول؛ فالمحافظة ليست فقط ثاني أكبر مراكز الثقل الاستيطاني السكاني خارج القدس، بل أصبحت أيضًا من أبرز ساحات عنف المستوطنين والإزاحة.

وتوثق OCHA تصاعدًا استثنائيًا حول عطارة وبيرزيت وعين سينيا بعد إقامة بؤرة جديدة في أغسطس/آب 2025: أكثر من 70 هجومًا أدى إلى إصابات أو أضرار حتى منتصف يونيو/حزيران 2026، مقابل أربع حوادث فقط في المنطقة نفسها بين يناير/كانون الثاني 2020 ويوليو/تموز 2025، مع نزوح 12 أسرة رعوية تضم 69 شخصًا. وفي المغير وثقت المنظمة كذلك نمطًا متكررًا من الاعتداءات والنزوح المرتبط بالبؤر وتقييد الوصول.

وتتجاوز الدلالة حدود العنف المباشر. ففي يوليو/تموز 2026 قالت «السلام الآن» إن المستوطنين أقاموا خلال عامين ونصف العام 21 بؤرة على الأقل في المنطقة B، ثم رفعت المنظمة الرقم في تقرير لاحق إلى 26 بؤرة، بعدما كانت قد وثقت سبعًا فقط في نهاية 2024.

وتقول المنظمة إن بعضها ترافق مع شق طرق والرعي والاستيلاء على مصادر مياه والضغط على تجمعات فلسطينية، بما يمثل انتقالًا للنشاط الاستيطاني إلى مناطق يفترض، بموجب ترتيبات أوسلو، أن تكون خاضعة للسلطة المدنية الفلسطينية.

463: الطريق الذي يقطع الكيانية السياسية

وتكشف قضية الطريق الاستيطاني 463، الذي شُقّ عام 1994 بين مستوطنتَي «بيت إيل» و«دوليف» بمحافظة رام الله، على يد المستوطنين آنذاك دون موافقة جيش الاحتلال وما يسمى بـ«الإدارة المدنية»، كما يزعمون، عن عمق النوايا الإسرائيلية المبيّتة؛ فالطريق الذي يمتد من شرق المحافظة إلى غربها سيؤدي إلى عزل ثماني قرى وحيين كبيرين في شمال المنطقة الحضرية لرام الله، ودفع عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى طرق أطول وأشد ازدحامًا، كما أشارت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

خطورة الطريق ليست في 10 كم من الإسفلت، بل في فهم استهداف رام الله بضربها في مركزها الإداري. ولا تقف الطروحات الإسرائيلية الأخيرة عند حدود إضعاف السلطة الفلسطينية أو تقليص صلاحياتها، بل يتجاوزها عدد من الوزراء إلى الدعوة إلى تفكيكها كإطار سياسي جامع واستبدالها بإدارات «موالية».

وقد عبّر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن هذا التصور بوضوح في سبتمبر/أيلول 2025، عندما طرح فرض السيادة الإسرائيلية على 82% من الضفة، على أن تستمر السلطة الفلسطينية مؤقتًا في إدارة شؤون السكان قبل أن تُستبدل بما سماه «بدائل إدارة مدنية إقليمية».

وفي الشهر نفسه تقريبًا دعا وزير الاقتصاد نير بركات إلى «تقسيم وتفكيك السلطة الفلسطينية» والانتقال إلى نموذج «إمارات فلسطينية ذات حكم ذاتي»، بدءًا من الخليل وبالتعاون مع قيادات محلية وعشائرية تقبل بعلاقة مباشرة مع إسرائيل.

في حين يرى زعيم حزب «يسرائيل بيتنو» أفيغدور ليبرمان، في تصريحات له قبل أيام، أن خطط بن غفير وسموتريتش ستؤدي إلى دولة ثنائية القومية، أما سياسة نتنياهو فستؤدي إلى اعتراف أمريكي بدولة فلسطينية.

ويقترح ليبرمان في خطته التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة بوصفهما كيانين منفصلين، وفي الحالتين يجب العثور على جهة «جادة» تحظى بقبول العالم العربي والمجتمع الدولي لتولي السيطرة والمسؤولية عن كل منطقة، ويطرح ليبرمان منع قيام دولة فلسطينية، وتفكيك السلطة الفلسطينية، وإلغاء اتفاق أوسلو، وإقامة صيغة مطورة من «اتفاق لندن» تقوم على التعاون الإسرائيلي-الأردني.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني