loading

حين تُهدم الصورة ويبقى الغائب.. لماذا تطارد إسرائيل ذاكرة الشهداء في الضفة؟

إلهام حمدان

منذ أكثر من خمس سنوات، لا تزال عائلة الشهيد عبد الله دعباس من ضاحية شويكة شمال طولكرم، محرومة من جثمان ابنها، لا قبر تزوره والدته، ولا مكان يحتضن جسده تستطيع العائلة أن تقف عنده، فبقيت صورته المعلقة قرب منزلهم واحدة من المساحات التي يحضر فيها عبد الله، رغم غياب الجسد.

“كان هدف تعليق صورة عبد الله إنه الناس ما ينسوه، ويضلوا متذكرينه بصفاته الطيبة وأخلاقه الحميدة اللي الكل بعرفه فيها، ويضل حاضر بذاكرتهم ودعائهم”، تقول والدته قدر دعباس في حديثها لـ”بالغراف.

استشهد عبد الله عام 2021، ولا يزال جثمانه محتجزًا لدى الاحتلال الإسرائيلي، وخلال السنوات السابقة، تقول دعباس إن القوات الإسرائيلية حاولت أكثر من مرة إزالة صورته وحرقها، دون أن تنجح.

حتى الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي، حينها اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلية المنطقة برفقة جرافة عسكرية، وهذه المرة وصلت إلى الصورة ودمرتها وأزالتها.

وأضافت دعباس: “إحنا كعائلة عبد الله تأذت نفسيتنا وحزنا على إزالة الصورة، لكن بالوقت نفسه إحنا فخورين بعبد الله كيف قاهرهم لليوم بالرغم من إنهم محتجزين جثمانه”.

بالنسبة إلى عائلة عبد الله، لم تكن خسارة الصورة مجرد فقدان لوحة معلقة في الشارع؛ فالعائلة المحرومة أصلًا من جثمان ابنها فقدت أيضًا أحد الرموز التي أبقت وجهه حاضرًا في المكان.

لكن صورة عبد الله لم تكن وحدها، في اليوم ذاته، امتدت عمليات إزالة الصور إلى مناطق مختلفة من محافظة طولكرم، فقامت جرافة عسكرية تابعة لجيش الاحتلال بإزالة صورة الشهيد مؤمن بلعاوي ورفاقه عند مفترق البلعاوي في الحي الجنوبي للمدينة، وحطمت صورة الشهيد محمود أبو سعن في الحارة الغربية، فيما أزالت الجرافة ذاتها في ضاحية شويكة صورتا الشهيدين تامر فقها وعبد الله دعباس، وكلاهما يحتجز الاحتلال جثمانيهما، وفي بلدة صيدا شمال المحافظة أزالت جرافة الاحتلال صورتا الشهيدين محمد حمد ومحمد الأشقر.

حين تصبح الصورة ذاكرة للمكان

الباحثة في السياسات الثقافية والذاكرة الرقمية بثينة حمدان قالت في حديث ل “بالغراف”: “إن صور الشهداء تشكل ‏توثيقًا لما يحدث على الأرض من قتل للإنسان، فالشهيد بالنسبة للفلسطينيين هو رمز، وقصة صمود ونضال وبقاء”.

وتتابع، بأن النصب التذكارية هي أيضًا حدث وشاهد مرتبط بمكان محدد عادة،  حيث يسقط الشهيد وتنزف دماءه، وبمكان حدوث المعارك وسفك الدماء، فهي ذاكرة حية ‏وطريقة لتناقل الأحداث التاريخية عبر الأجيال، لأنها مصنوعة من مواد تجعلها تعيش لفترة طويلة.

وأضافت حمدان أنها تحتوي دائمًا على أسماء وتواريخ ومعلومات، مما يجعل لها أهمية كبيرة في السياق الاجتماعي والثقافي، عبر  حفظ التراث والثقافة وذاكرة الشعب والمكان،  ‏لذلك يحترم الفلسطينيون هذه النصب والصور ويقدسونها.

وهذه الوظيفة تظهر بصورة أكثر وضوحًا في جنين، حيث لم تكن بعض النصب مجرد أسماء وصور، بل صُنعت من بقايا الحدث الذي أرادت تخليده.

الصحفي أنس حوشية من جنين يقول لـ”بالغراف” إن حصان جنين، الذي كان قائمًا عند المدخل الشرقي لمخيم جنين، حمل رمزية مرتبطة بمعركة المخيم خلال اجتياح عام 2002. فالحصان أُنشئ من ركام منازل وقطع حديد من مركبات قصفتها طائرات الاحتلال أو سحقتها دباباته خلال الاجتياح، ومن بينها أجزاء من مركبة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، في الحدث الذي استشهد خلاله الطبيب خليل سليمان.

لكن هذه الرموز، وفق حوشية، عادت خلال الفترة الأخيرة إلى دائرة الاستهداف. مضيفًا أن قوات الاحتلال أخطرت بإزالة عدة صور ونصب تذكارية في محافظة جنين، من بينها نصب يحمل صورتي الشهيدين نضال خازم ويوسف شريم عند دوار السينما، وصورة الشهيد تامر النشرتي قرب بنك فلسطين، ونصب الشهيد الأسير ياسر حمدوني في بلدة يعبد جنوب جنين.

وشملت الإخطارات أيضًا، بحسب حوشية، نصبًا للشهيد كمال أبو وعر عند دوار الجابريات، وتذكارًا يحمل صورة الشهيد رعد خازم قرب دوار العصفور. مشيرًا إلى أن المسألة لم تبقَ في حدود الإخطار؛ حيث أن  جرافة عسكرية أزالت في صباح السابع من تشرين الأول/أكتوبر صورة الشهيد محمود خالد عرعراوي في مدينة جنين.

عشر ساعات في نابلس.. والهدف نصبًا وصورًا

وبينما انتقلت جنين من الإخطار إلى التنفيذ، كانت نابلس تعيش مشهدًا أكثر اتساعًا، حيث شهدت المدينة عملية عسكرية استمرت نحو عشر ساعات، وأهم أحد أهدافها هذه المرة كانت نصب وصور الشهداء المنتشرة في المدينة.

الصحفي جمال ريان من نابلس قال في حديث لـ”بالغراف” إن خمسة نصب تذكارية دمرتها القوات الإسرائيلية خلال العملية، اثنان منها في محيط ميدان الشهداء، إلى جانب نصب في خلة العامود، ونصبين في منطقة التعاون العلوي، فيما طال الاستهداف أيضًا مواقع في رأس العين وشارع فطاير.

واستخدمت القوات الجرافات لهدم ما استطاعت الوصول إليه، فيما يقول ريان إن الجنود هدموا يدويًا بعض المواقع التي تعذر وصول الجرافة إليها.
ويختصر المشهد بقوله: “كل مكان يتواجد فيه نصب تذكاري كان بحد ذاته هدفًا”.

لكن القوات لم تترك خلفها الركام وحده، فخلال العملية العسكرية على مدينة نابلس، وزعت قوات الاحتلال منشورات على السكان شرحت فيها موقفها من هذه النصب، وأعلنت أنها تعمل على هدم ما وصفتها بـ”النصب التذكارية التي تمجد الإرهابيين وتشيد بهم، وتحرض على الأعمال الإرهابية ضد إسرائيل”. متوعدة باعتقال من تعتبره داعمًا أو ممجدًا لما تصفه بـ”الإرهاب”. وبحسب ريان، رافقت العملية أيضًا تهديدات بمحاسبة واعتقال من يعيد إقامة النصب أو ترميمها.

وتصف حمدان بأن ما يجري هو جزء من معركة طويلة لمحو الذاكرة الفلسطينية، معتبرة أن استهداف الذاكرة لا يتوقف عند صورة أو نصب، وإنما يمتد إلى المعالم والجداريات والأعمال الفنية وغيرها من العناصر التي تحفظ علاقة الفلسطيني بالمكان، وقصته فيه.

من الجرافة إلى المطرقة

المحلل السياسي مفيد جلغوم يقول في حديث لـ”بالغراف” إن استهداف النصب التذكارية الفلسطينية هو استهداف للذاكرة الشعبية للفلسطينيين، معتبرًا أن وجود دوار أو نصب يحمل اسم شهيد يعني أن الاسم والحدث يبقيان حاضرين في ذاكرة الناس كلما مروا بالمكان.

وبالنسبة إلى جلغوم، لم تبدأ الظاهرة خلال الأيام الأخيرة، لكنه يرى أن شكلها واتساعها تغيرا. مضيفًا أن الهجمة ضد صور الشهداء ونصبهم التذكارية بدأت منذ فترة طويلة، وتعمقت أكثر خلال اجتياح مدينتي جنين وطولكرم، ولكنها الآن أصبحت نهجًا.

وقبل موجة الهدم الأخيرة، شهدت قرية مادما جنوب نابلس حادثة حملت صورة مختلفة للاستهداف، حين أقدم عضو الكنيست الإسرائيلي تسفي سوكوت على تحطيم نصب تذكاري يحمل أسماء شهداء فلسطينيين مستخدمًا مطرقة كبيرة.

ويرى جلغوم أن تنفيذ مثل هذا الفعل أمام عدسات الكاميرا يسمح باستثماره سياسيًا وانتخابيًا داخل إسرائيل، لكنه لا يحصر ما يحدث بالحسابات الانتخابية، بل يعتبره امتدادًا لمسار أقدم.

وفي السياق ذاته، كان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد وجه إنذارًا إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طالب فيه بإزالة 40 نصبًا تذكاريًا فلسطينيًا في أنحاء الضفة الغربية، وفق ما كشفت عنه القناة 14 العبرية.

وبين مطرقة سوكوت والجرافات التي تحركت لاحقًا في أكثر من مدينة، يرى جلغوم أن النصب أصبحت جزءًا من صراع أوسع على الرموز الموجودة في المجال العام.

لكن هذا الصراع لا يسير في اتجاه واحد، فكلما اتسع الهدم، ظهرت طرق مختلفة لحماية ما تحمله هذه الرموز.

أزالوه حتى لا يُزال

في كفر مالك شمال شرق رام الله، لم تنتظر مجموعة من الشبان وصول الجرافة، فككوا سرًا النصب الكبير القائم وسط القرية وأبعدوه عن مكانه حفاظًا عليه.

الصحفي جهاد القاق يوضح لـ”بالغراف” إن القرية لم تتلق إخطارًا رسميًا مباشرًا، وإنما وصلها عبر وسائل الإعلام خبر يتحدث عن نية القوات الإسرائيلية هدم وإزالة نصب الشهداء فيها.

وتضم القرية نصبًا لشهدائها في وسطها، ونصبًا آخر للشهيد عبد الله إياد حمايل، الذي استشهد عام 2015، ويقع قرب منزله على الشارع الرئيسي، إضافة إلى لافتة مضيئة تحمل أسماء الشهداء وصورهم.

وأوضح القاق أن هذه النصب تمثل رمزًا تذكاريًا لأهالي القرية، وتحمل أسماء الشهداء وتواريخ استشهادهم، ووُضعت في أماكن حيوية لتبقى حاضرة في ذاكرة المواطنين والأجيال، وسبق أن تعرضت هذه الرموز للتخريب ورش الطلاء خلال اقتحامات سابقة.

وعلى بعد كيلومترات، كان المعنى ذاته يظهر بطريقة أخرى داخل جامعة بيرزيت، فبعد اقتحام قوات الاحتلال لحرم الجامعة وهدم صرح الشهداء وسرقته من مكانه، عاد الطلبة إلى الموقع ووضعوا لافتة حملت أسماء الشهداء التي كانت على الصرح.

ماذا يبقى بعد أن تمر الجرافة؟

بالنسبة إلى بثينة حمدان، فإن قدرة الذاكرة على البقاء لم تعد أصلًا مرتبطة بشكل واحد. مضيفة أن الاحتلال يعتقد أن إزالة الصورة أو النصب التذكارية ممكن أن يؤثر على ذاكرة الناس، لكن الفلسطيني‏ تكيف مع هذه السياسات وأصبح لديه أدوات كثيرة للمحافظة على هذه الذاكرة وإبقاء هذه الجرائم حية أمام الأجيال القادمة والأجيال الموجودة حاليًا، رأينا الفلسطينيين في غزة وثقوا الأعمال الفنية التشكيلية لفنانين قتلوا عبر جمعها ونشرها، وجدنا أيضًا توثيق ‏استشهاد الفلسطينيين الذين قتلوا تحت الإبادة وتوثيق حياتهم وتاريخ استشهاد وكيفية استشهادهم .

وأضافت أن الوضع لا يقتصر على ‏صورة لن نتوقف عن طباعتها، ولا على نصب تذاكري لن نتوقف عن إعادة بناءه، وبناء نصب جديدة مع كل حدث جديد، بل عمل الفلسطيني أيضا على إعادة إنتاج هذه الذاكرة وحفظها بصورة أقوى باستخدام الفضاء الرقمي، عبر إنتاج الفيديو والأعمال الفنية وغيرها، وهذا لأن الفلسطيني مؤمن بعدالة قضيته ومؤمن أن كل شيء يحفظ الذاكرة هو مهم جدًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

الجرافة تستطيع أن تهدم النصب، والمطرقة تستطيع أن تكسر الحجر، والصورة يمكن أن تُنتزع من الشارع، لكن حين يُعاد الاسم بعد هدم الصرح، ويُخفى النصب لإنقاذه، وتبقى أم تروي قصة ابنها بعد إزالة صورته، يصبح السؤال: هل يمكن هدم الذاكرة أصلًا؟

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني