محمد عبد الله
عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، لم يكن أبو حازم التميمي يتوقع أن تنتهي ليلته بمغادرة منزله الذي عاش فيه سنوات طويلة، تاركًا خلفه ذكرياته وممتلكاته، تحت تهديد قوات الاحتلال الإسرائيلي التي قررت تحويل المنزل إلى ثكنة عسكرية، في إطار العملية العسكرية المتواصلة في مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة.
في حي عين دير بحة، وتحديدًا في حارة المغاربة، حيث امتدت أوامر الإخلاء الإسرائيلية لتطال المنازل السكنية، استيقظ التميمي وعائلته، فجر السبت، على اقتحام قوات الاحتلال منزلهم ومطالبتهم بمغادرته خلال عشر دقائق. لم يكن القرار سهلًا على الرجل، الذي وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: أن يترك منزله تحت ضغط القوة العسكرية، أو أن يتمسك بالبقاء فيه، رغم التهديدات التي تلقاها من الضباط الإسرائيليين.
لكن ما حدث بعد تهجيره من منزله تجاوز، بالنسبة إلى التميمي، حدود الاستيلاء على المكان وفرض السيطرة عليه؛ إذ تواصل معه أحد ضباط الاحتلال لاحقًا، طالبًا منه تزويده بالرقم السري لشبكة الإنترنت لمنزله الذي أُجبر على مغادرته. مشهد يلخص مفارقة قاسية: يُهجَّر صاحب المنزل تحت التهديد، ثم يُطلب منه أن يوفّر لقوات الاحتلال وسيلة الاتصال من منزله الذي استولت عليه.
يروي أبو حازم لموقع “بالغراف” أن ضابطًا إسرائيليًا أبلغه بضرورة إخلاء المنزل خلال عشر دقائق، لكنه رفض المغادرة، ودخل في جدال معه، مؤكدًا أنه لن يترك بيته بهذه السهولة، وبعد ذلك، تدخل ضابط من المخابرات الإسرائيلية ومنحه مهلة إضافية مدتها ساعة واحدة لإخلاء المنزل.
حاول التميمي شرح صعوبة القرار للضابط، قائلًا إن الأطفال نائمون، وأن إخراج العائلة في منتصف الليل ليس أمرًا سهلًا، قبل أن يؤكد تمسكه بالبقاء في منزله، حتى لو كان ذلك على حساب حياته.
لكن الرد الإسرائيلي لم يترك مجالًا للتفاوض؛ إذ أُبلغ بأن الإخلاء أمر عسكري، وأن قوات الاحتلال ستستخدم القوة إذا لم تغادر العائلة المنزل.
ويقول التميمي إن الضابط الإسرائيلي هدده أيضًا بالقول إنهم يريدون أن يفعلوا بأهالي الخليل ما فعلوه بأهالي قطاع غزة، في تهديد زاد من مخاوف العائلة إزاء ما يمكن أن تشهده المنطقة خلال الساعات التالية.
يقول التميمي “هذه قوة عسكرية من ست آليات ونحو 40 جنديًا وضابطًا، ونحن سكان مدنيون”.
بعد انسحاب القوة العسكرية مؤقتًا، تواصل أبو حازم مع رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري، طالبًا منه التدخل لوقف إخلاء منزله، ووضعه في صورة الوضع.
وبعد نحو عشر دقائق، تلقى ردًا يفيد بأن الارتباط الفلسطيني تواصل مع الارتباط الإسرائيلي، لكن الأخير أبلغهم بأن ما يجري يأتي في إطار قرار عسكري، وأنهم لا يملكون صلاحية التدخل لدى الجيش الإسرائيلي لوقفه.
أمام ذلك، بدأ التميمي وأفراد عائلته جمع ما استطاعوا من أغراضهم والاستعداد للمغادرة، فيما كانت المهلة التي منحهم إياها الضابط تقترب من نهايتها.
وبعد نحو ساعة، عادت القوة العسكرية إلى المنزل، وسألت التميمي عن سبب عدم مغادرته حتى تلك اللحظة. فأجابهم بأن العائلة تستعد للخروج، وأن الأغراض أصبحت في السيارة.
غادر الرجل المنزل برفقة أبنائه المتزوجين وأفراد أسرته، البالغ عددهم نحو عشرين شخصًا، متجهين إلى منزل ابنته في حي ضاحية الزيتون بمدينة الخليل، حيث وجدوا مأوى مؤقتًا بعيدًا عن منزلهم.
غير أن المغادرة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر؛ فقد ترك التميمي خلفه منزلًا لم يعد قادرًا على دخوله، بعدما استولت عليه قوات الاحتلال وحولته إلى موقع عسكري تتمركز فيه.
ويصف التميمي مشاعره عند مغادرة المنزل بالصعبة، في ظل شعوره بأن عائلته أُجبرت على ترك حياتها خلفها، من دون أن تعرف متى ستتمكن من العودة، أو ما الذي ينتظر المنزل الذي بات تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي.
بالنسبة إليه، لم تنتهِ القصة عند الوصول إلى منزل ابنته؛ فالعائلة التي كانت تعيش في بيتها أصبحت مضطرة إلى مشاركة مكان آخر، فيما يظل منزلها مغلقًا أمامها، وتبقى العودة إليه رهنًا بانتهاء العملية العسكرية وانسحاب قوات الاحتلال.
ولا تنفصل حكاية أبو حازم عن سياق العملية العسكرية الإسرائيلية التي بدأت في مدينة الخليل يوم الجمعة، عقب عملية إطلاق نار على حاجز عسكري قرب المدينة، أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، فيما استشهد منفذا العملية الفلسطينيان.
ومنذ بدء العملية، فرضت قوات الاحتلال إجراءات عسكرية مشددة، وأغلقت مداخل المدينة ومخارجها، وشددت القيود على حركة السكان، ونفذت عمليات اقتحام وتفتيش واعتقال، إلى جانب هدم منشآت ومبانٍ وإجبار عائلات على إخلاء منازلها في منطقتي دير بحة والجلدة وأجزاء من خربة المغاربة.
وفي أحدث تقدير منشور الأحد، 25 أكتوبر، قال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن قوات الاحتلال أجبرت اكثر من 3000 فلسطيني على مغادرة منازلهم منذ بدء العملية العسكرية، موضحًا أن عمليات الإخلاء شملت منطقة دير بحة وأجزاء من حي الجلدة، ضمن مساحة تبلغ نحو 330 دونمًا، تضم أكثر من 495 وحدة سكنية.
وتواجه العائلات التي أُجبرت على المغادرة صعوبات في تأمين أماكن إقامة بديلة، ونقل احتياجاتها الأساسية، والحفاظ على استقرار أطفالها وكبار السن، في ظل إغلاق الطرق والقيود المفروضة على الحركة. وقد لجأت عائلات عديدة إلى أقاربها ومعارفها، فيما خصصت البلدية مركزًا للإيواء.
وفي تصريحات لوكالة رويترز، حذر الجعبري من أن نحو 1300 فلسطيني إضافي قد يفقدون منازلهم، إلى جانب الذين أُجبروا على النزوح بالفعل، مع استمرار عمليات الإخلاء.
واتهم الجعبري الحكومة الإسرائيلية باستغلال التصعيد لتحقيق مكاسب انتخابية قبيل انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر.
وتشير هذه الأرقام إلى أن آثار العملية لا تقتصر على العائلات التي غادرت منازلها بالفعل، بل تمتد إلى سكان آخرين يواجهون خطر الإخلاء، في وقت لم تتضح فيه المدة التي ستستمر خلالها الإجراءات العسكرية أو موعد السماح للعائلات بالعودة.
بالنسبة إلى أبو حازم التميمي وعائلته، لا يبدو المنزل الذي تركوه مجرد مبنى استولت عليه قوات الاحتلال، بل مساحة تختصر سنوات من الحياة والاستقرار والذكريات. واليوم، يعيش أفراد الأسرة العشرون في منزل ابنتهم، بينما يتمركز جيش الاحتلال الإسرائيلي في منزلهم الأصلي، الذي تحول إلى ثكنة عسكرية.
ولا يعرف التميمي موعدًا للعودة، ولا يملك ضمانات بشأن مصير منزله بعد انتهاء العملية. وكل ما تتمناه العائلة هو أن تنتهي هذه الإجراءات العسكرية، وأن تتمكن من العودة إلى بيتها، بدلًا من البقاء في نزوح فرضته تهديدات الجنود وأوامر الإخلاء.
وفي الخليل، تتجاوز حكاية أبو حازم حدود عائلة واحدة؛ فهي واحدة من مئات الحكايات التي يعيشها السكان الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى ترك منازلهم تحت ضغط القوة العسكرية، فيما تتواصل العملية وتبقى أسئلة العودة والمصير معلقة.




