loading

عندما يتعلق الأمر بالعرب..هل هنالك يسار ويمين؟

جيفارا سمارة

يتشكل “مجتمع الكيان الإسرائيلي” من صراعات بنيوية وتصدعات هوياتية تحت مظلة المخاوف الأمنية، دون توافق داخلي على هويتها وشرعيتها، لذا يبرز من تحت هذه الخلافات اختلافات في الرؤى والتوجه علمانية، ويسارية، وحريدية، ويمينة…الخ في التعامل مع القضايا الإسرائيلية ذاتها، إلا أن هذه الصراعات تختفي تلقائيًا عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي_الإسرائيلي، خاصة فيما تجاه الشعب الفلسطيني لتجد جبهة إسرائيلية موحدة تشرف عليها وتديرها “الدولة الأمنية العميقة” وهو ما ظهر جليًا في مختلف المواقف تجاه الإبادة في غزة.

دخل اليسار الإسرائيلي في مفاوضات أوسلو والاعتراف المتبادل مع منظمة التحرير دون أن يعطي الفلسطينيين سلام دائم ودولة أو ينهي احتلال ويوقف الانتهاكات، ولم يلغي اليمين أي من الاتفاقيات بل إن مناحيم بيغن  الذي يُعتبر أحد أبرز رموز اليمين في تاريخ إسرائيل وقع اتفاقية سلام، فيما نفذ أعتى صقور اليمين أرائيل شارون انسحابات من أراضي محتلة، ولم يختلف الاتجاهان على أهمية وضرورة الاستيطان يومًا، بل يتفقان على أولوية التفوق العسكري والدعم الأميركي.

سبع وثلاثون حكومة: من حكم، ومن شارك؟

منذ عام 1949 تشكلت في إسرائيل 37 حكومة مرقّمة رسميًا، سبقتها حكومة مؤقتة عام 1948، وما زالت الحكومة السابعة والثلاثون برئاسة بنيامين نتنياهو قائمة بصفة تصريف الأعمال بعد انتخابات 27 أكتوبر 2026، ريثما تتشكل حكومة جديدة. وبحسب الحزب الذي قاد الحكومة عند تشكيلها، يمكن تصنيف 21 حكومة ضمن التيار العمالي/يسار الوسط، و14 ضمن اليمين، وحكومتين ضمن الوسط أو الائتلافات المختلطة (حكومة أولمرت الحادية والثلاثون، وحكومة بينيت–لابيد السادسة والثلاثون). هذا تصنيف تحليلي للقيادة، لا لجميع الوزراء، ولا يعني أن كل حكومة «يسارية» تبنّت سياسة سلام.

أما «حكومة الوحدة» فليست فئة رابعة مستقلة: يسرد الكنيست عشر حكومات شهدت صيغًا من الوحدة بين معسكرات متنافسة، ويضاف إليها انضمام معسكر بيني غانتس مؤقتًا إلى حكومة نتنياهو السابعة والثلاثين إبان ابادة غزة (2023–2024). أي إن هناك 11 حالة حكومية شهدت وحدة أو توسعة طارئة، ولو لفترة محدودة، وهي داخلة أصلاً في الأعداد السابقة. ولا تعني «الوحدة» اجتماع جميع الأحزاب أو تمثيل الفلسطينيين داخل إسرائيل. كذلك يجب ألا تُقرأ كثرة الحكومات العمالية بوصفها دليلًا على هيمنة اليسار في السنوات الأخيرة؛ فأغلبيتها تركزت قبل صعود الليكود عام 1977.

الحروب: الحساب يتغير بتعريف «الحرب»

نعتمد عينة محددة من 14 حربًا أو مواجهة عسكرية كبرى، ونصنّفها بحسب الحكومة عند بدايتها، مع عدم احتساب الانتفاضات أو العمليات العسكرية الأصغر حروبًا مستقلة:

تصنيف الحكومة عند بداية الحرب
المواجهات المشمولة (العدد)
حكومات عمالية (3)
حرب 1948–1949؛ السويس 1956؛ حرب تشرين 1973.
وحدة بقيادة العمل (2)
حرب حزيران 1967؛ حرب الاستنزاف 1967–1970.
حكومات وسطية بمشاركة العمل (2)
حرب لبنان 2006؛ حرب غزة 2008–2009.
حكومات يمينية (6)
لبنان 1982؛ غزة 2012 و2014؛ حرب غزة التي اندلعت بعد هجوم 7 أكتوبر 2023؛ المواجهة مع إيران في 2025، ثم حرب 2026.
وحدة بقيادة اليمين (1)
مواجهة غزة 2021 في عهد حكومة نتنياهو–غانتس.

الاستيطان: بدأه العمل ووسّعه اليمين

تفنّد الوقائع فكرة أن الاستيطان وُلد مع الليكود عام 1977. فبعد احتلال 1967 أقامت الحكومات العمالية أولى المستوطنات؛ وتوثق «بتسيلم» إنشاء نحو ثلاثين مستوطنة في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، خلال العقد الأول للاحتلال، خاصة في الأغوار ومحيط القدس. ثم شهدت مرحلة صعود الليكود وحكومات الوحدة في الثمانينيات توسعًا مكثفًا نحو عمق الضفة؛ وتقدر «بتسيلم» قيام نحو مئة مستوطنة إضافية بين 1977 و1993.

لكن الفروق حقيقية في الوسائل والخطاب. فقد أعلن إسحق رابين عام 1992 تقليص إقامة مستوطنات جديدة، مع استمرار دعم القائم منها، ولم يوقف نمو المستوطنين. وفي المقابل، نفّذ أريئيل شارون، الآتي من الليكود، إخلاء مستوطنات غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة عام 2005.

ومنذ تشكيل حكومة نتنياهو عام 2022، تسارعت الإجراءات الاستيطانية؛ وسجّل تقرير الاتحاد الأوروبي الخاص بعام 2025 الموافقة على 54 مستوطنة رسمية جديدة وإنشاء 86 بؤرة استيطانية. وتعد المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي وفق الموقف المعتمد لدى الأمم المتحدة. والمقياس المهم ليس عدد المستوطنات وحده، بل مواقعها، واتصالها الجغرافي، وأثرها على قدرة الفلسطينيين على العيش والتحرك وبناء دولة متصلة.

مَن مارس عنفًا أقل تجاه الفلسطينيين؟

ليس من الدقة منح صك «اعتدال» أمني لأي تيار بالاعتماد على اسمه. ففي عهد حكومات عمالية وقعت النكبة عام 1948 وحرب 1967، وشهدت الانتفاضة الأولى قمعًا شديدًا حين تولى رابين وزارة الدفاع في حكومة الوحدة. وفي المقابل وقعت عمليات وحروب مدمّرة في عهود اليمين، منها اجتياح لبنان 1982 وحروب غزة، كما شهدت حكومة أولمرت الوسطية بمشاركة العمل حرب غزة 2008–2009. وتشير الأمم المتحدة إلى مقتل 2,251 فلسطينيًا في حرب غزة 2014، التي وقعت في عهد نتنياهو.

وبالنسبة إلى الفلسطيني، لا ينحصر العنف في الحرب وحدها؛ فمصادرة الأرض، والعنف المرتبط بالمستوطنين، والقيود على الحركة، وهدم المنازل، والاعتقال، والسياسات التمييزية تمثل أبعادًا لا تقل أهمية عند تقويم الحكومات. 

من يصنع الاستراتيجية: الأحزاب أم المؤسسات؟

للحكومة في إسرائيل، لا للحزب منفردًا، السلطة القانونية في قرارات الحرب الكبرى، ويمكن تفويض الكابينت الأمني وفق القانون الأساسي. ويخضع الجيش للحكومة ووزير الدفاع؛ لكن الجيش والموساد والشاباك ومجلس الأمن القومي يملكون المعلومات والخطط والخبرات التي تضيق أو توسع الخيارات السياسية. وفي حزيران/يونيو 2025 أقر الكنيست قانونًا يُلزم الحكومات الجديدة بمسار مؤسسي لصياغة استراتيجية أمن قومي، عبر مجلس الأمن القومي وبالتشاور مع الأجهزة، لتُقرّها السلطة السياسية.

 ينبغي الفصل بين ثلاث سلطات: سلطة تحديد الهدف السياسي، وسلطة صياغة المعلومات والخيارات، وسلطة التنفيذ. فالوزير قد يملك حق القرار، بينما يمارس الجهاز الدائم نفوذًا كبيرًا في ما يقدمه من تقديرات وقدرات؛ لكن النفوذ المهني ليس حق نقض فوق الحكومة. ومن هنا تُقاس قوة المؤسسات بقدرتها على تقديم بدائل ومحاسبة المخطئ، لا بقدرتها على فرض حرب أو منع سلام.

في إسرائيل يمين ويسار بالمعنى الداخلي الاسرائيلي، لكنهما تحركا تاريخيًا داخل بنية دولة ومؤسسات أمنية واستيطانية تراكمت على مدى عقود. 

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني