loading

حسن عودة.. رجل المناطير الأخير

هيئة التحرير

على سفوح الجبال يتفنن حسن عودة (47 عامًا)  من بلدة عارورة شمال غرب رام الله، برسم وبناء المناطير أو قصور الفلاحين كما تسمى، ينظر للأحجار الموجودة يقيسها ويهندسها بعينيه وبيديه وبخبرة السنين التي اكتسبها ليخرج بمنطار بجمال يُبهر العين.

والمناطير هي جمع لكلمة منطار، وهو مبنى حجري أسطواني أو مربع أو مستطيل، اعتاد الفلاحون بناءه في المناطق الجبلية، وسمي بالمنطار لأنه كان مكان نطر الفلاحين لمحاصيلهم الزراعية في السفوح الجبلية، أو مكان نطر الناس انتهاء الأمطار أثناء موسم جني ثمار الزيتون.

بعمر الخامسة عشر ربيعاً بدأ عودة بناء المناطير رفقة والده تلك المهنة التي ورثها والده عن جده، في سبيل الحفاظ على الهوية والتراث، حينها بدأ بالتعلق بها وأصبحت شغفه، فكل شيء يرتبط بالأرض كبناء المناطير أو السلاسل أو الزراعة، فإنه يرتبط به ارتباطًا وثيقًا، بحسب ما يقوله عودة لـ”بالغراف”.

ليس سهلاً بناء المناطير، بل به نوعاً من الخطورة، إذ إنه في البداية يجب اختيار أرضٍ مناسبة تكون غير صخرية، ويجب أن تكون أرضًا جبلية تسمى “البيدر” وبها صخورًا ثابتة، حتى لا يحدث بها أي انهيار، ثم يبدأ بعدها بجلب الصخور وفرزها وهندستها بالأدوات البدائية التي يمتلكها “الشاكوش والمهدة”، بما يتناسب مع المنطار المنوي بناؤه، وفق ما يقوله عودة.

يثبت عودة الأحجار الكبيرة في الأرض، ثم بعدها يتم فرز الأحجار المناسبة، وصفها بطريقة دائرية حلزونية، ومع كل لفة يتم وضع الحجر المناسب وقياسه بالعين فقط، دون الحاجة لمتر للقياس، وتستمر هذه الخطوات لحين الوصول للأعلى فيكون صعباً وضع الحجر بشكل يسير.

يقول عودة: “يتم استخدام (السكالة) لرفع الأحجار، حتى يتم الوصول للمرحلة النهائية، وهي العقد أو الختم، ويكون له حجر معين يتم وضعه، ومن ثم يتم قياس أمان المنطار عن طريق قياس أسفله إن كان هناك ثقل على الخشب أم لا؟ فإن كان هناك ثقل يكون  خطرًا، وإن خف الثقل فليس هناك خطر، وبذلك يكون جاهزاً وآمنًا للدخول بداخله أو الوقوف أعلاه، وقد يصل طوله إلى ثلاثة أمتار، وهذا بحسب نوع الأرض المقام عليها”.

يحتاج بناء المناطير بحسب عودة، لوقت طويل قد يصل إلى عام، وذلك يعتمد على الظروف الجوية وعلى الأرض التي يتم البناء عليها وعلى الحجارة المستخدمة، فيجب أن تكون الحجارة طويلة وهي حجارة “البنود”، وعمر المنطار يكون طويلاً إذا كان بناؤه سليمًا ولم تتعرض المنطقة المقام فوقها لكارثة طبيعية كالزلازل مثلاً.

عكف الفلاحون في القدم على استخدام المناطير كبناء للتخزين، فكانوا يخزنون محاصيلهم الزراعية به، إضافة إلى أنهم كانوا يعتمدونه كمبيت لهم، وكاحتماء من المطر أثناء موسم قطاف الزيتون، ولذلك سمي بالمنطار لأنهم كانوا ينطرون به الأراضي والمحاصيل الزراعية، أما اليوم فأضحى كمنظر جمالي أكثر من بناء لاستخدام.

 بخبرة الثلاثين عاماً التي يمتلكها يسعى عودة لتعليم أبنائه بناء المناطير، ونقل خبرته لهم، فهو الرجل الوحيد في فلسطين الباقي يمكنه بناؤه، فاستطاع تعليمها لابنه معتز الذي يقول لـ”بالغراف”: “بدأت بالعمل رفقة والدي وأنا بعمر السابعة عشرة، إنني أحب هذا العمل، فهو عمل نادر، لا يستطيع الجميع عمله، وأتعلم كل يوم شيئًا جديداً، وأرى كيف كان الإبداع في القدم؟ وإنني أنوي الاستمرار بهذا العمل”.

 بناء المناطير بالنسبة لعودة الأب، هو خطوة مهمة في ترسيخ الهوية الفلسطينية والمحافظة على تراثه، ومن خلالها صمد الأهالي في هذه الأرض، لذا يجب الاهتمام به وتعليمه للأجيال القادمة، وعودة يؤكد استمراره في هذا العمل رغم التعب المرافق له، ورغم عوامل الخطر الذي يتعرض له عند البناء في المناطق المهددة بالمصادرة.

يستذكر عودة بناء أحد المناطير في سلفيت، وتحديداً قرب جدار الفصل العنصري المقام على أراضي سلفيت، حيث أصر على بنائه لوحده، رغم أنه كان هناك طائرة سيرها الاحتلال بشكل يومي فوق رأسه طيلة فترة بنائه التي استمرت شهرين.

رغم مضايقات والاحتلال والمستوطنين في بعض الأحيان، إلا أن ذلك لم يثنِ عودة عن المضي قُدماً في إتمام ذلك المنطار حتى النهاية، وهو مصر على استمراره بهذه المهنة، وتحديداً في المناطق المهددة بالمصادرة.

يلقى بناء المناطير في الآونة الأخيرة إقبالاً عاليا لدى الأهالي، فأضحى الناس يُقبلون على طلب بنائه، وهذا ما يعطي عودة الدافع القوي للاستمرار والمواصلة في هذه المهنة، إضافة إلى شغفه في استصلاح الأراضي، وبناء الأقواس، وترميم البيوت القديمة، التي يرتبط بها ارتباطاً وثيقاً كارتباطه بأرض فلسطين، في سبيل ترسيخ للهوية والمحافظة على الأرض.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة