loading

صلاح الحموري: من السجن إلى الإبعاد

هيئة التحرير

“أنا أغادرك اليوم يا وطني مجبراً ومكرهاً، أنا أغادرك اليوم من السجن إلى المنفى، لكن تأكد جيداً أنني سأبقى كما عهدتني، وفياً لك وحريصاً على حريتك، سأحملك معي أينما كنت، ستبقى أنت بوصلتي الوحيدة، وإلى أن نلتقي مجدداً وأعانقك في الجليل والقدس والجليل وحيفا، لك أن تطلب مني ما تشاء، وأعاهدك أن أبقى جنديك الوفي ابداً، أبداً”

نفذ الاحتلال صباح الأحد الموافق الثامن عشر من كانون الأول قرار إبعاد المناضل المقدسي الأسير صلاح الحموري، وقام بترحيله من السجن إلى المطار ثم بطائرة خاصة إلى فرنسا، جاء قرار الإبعاد بعد أن قرر الاحتلال حرمانه من هويته المقدسية بعد سنوات طويلة من الملاحقة والاعتقالات المتكررة والمطاردة.

ووجه الأسير صلاح الحموري رسالة قبل مغادرته أرض الوطن وفي لحظة تهجيره وقال:” هذه هي رسالتي الأخيرة من أرض الوطن، أوجه هذه الرسالة وأنا أتعرض لتهجير قسري واقتلاع من وطني معتقداً هذا العدو أنه بممارسة سياسة التهجير والتطهير العرقي ينتصر علينا، إن فلسطينيتنا خيار واختيار وفاء وانتماء، أرضاً وذاكرة، مكاناً وزمان، فلا قرار تهجير قسري وتطهير عرقي يرهبني، ولا يردعنا ولا يردنا عن خيارنا بالمقاومة، ولا قوة فوق الأرض تستطيع أن تقتلع فلسطين، وشعب فلسطين من عقولنا ووجداننا”.

“وأنا ما زلت أترقب، ربما أتعرض للإبعاد وسأواجه هذا الخيار، فالوطن والانتماء وتحدي الاستعمار الصهيوني لا يحتاج إلى بطاقة هوية، يحتاج وعياً وهوية ومشروعاً، يحتاج إرادة ورؤية، فكل منا يتحدى بموقعه ومكانه، يشارك ويقاوم  ولا يستأذن ولا يعتذر”.

بعد هذه الكلمات التي قالها الأسير المقدسي صلاح الحموري، طاله خيار الإبعاد القسري والتهجير عن أرض الوطن من فلسطين إلى فرنسا، قرارات عقابية من الاحتلال ظناً منهم بسحبهم الهوية المقدسية وترحيل الحموري سيسحبون انتماءه فهو مقدسي الهوى والهوية وحجارة القدس تشهد.

صلاح الحقوقي…

صلاح الحموري ٣٧ عاماً محام فلسطيني تلقى دراسته في جامعة بيت لحم، هو أحد موظفي مؤسسة “الضمير” لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، ووالدته فرنسية ووالده فلسطيني من مدينة القدس التي ولد وعاش فيها، متزوج من فرنسية وأب لطفلين، تعرض لحملات عديدة من الاحتلال منها الاعتقال والحكم الإداري والمطاردة والتجسس على هاتفه والإبعاد.

اعتقل الحموري للمرة الأولى في حياته عام ٢٠٠٥ وأمضى بالأسر ست سنوات وأفرج عنه عام ٢٠١١ قبل انتهاء حكمه في صفقة تبادل الأسرى، وكان اعتقاله بزعم مشاركته في محاولة اغتيال عوفاديا يوسف، كبير حاخامات الاحتلال، وتعرض بعدها لسلسة اعتقالات ومطاردات.

وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت الحموري للمرة الأخيرة قبل الإبعاد، في السابع من آذار ٢٠٢٢، وجرى تحويله للاعتقال الإداري حتى اتخذ قرار ترحيله صباح اليوم إلى فرنسا، بعد إمضاء تسعة أشهر في الاعتقال الإداري.

ويرى رئيس لجنة أهالي الأسرى والمعتقلين المقدسيين أمجد أبو عصب أن ما حصل مع الحموري هو جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة الجرائم التي يمارسها الاحتلال بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وتحديداً الأسير صلاح الحموري الذي أمضى سنوات طويلة داخل سجون الاحتلال، وتعرض لمجموعة من الاجراءات الظالمة كان أبرزها الإبعاد عن القدس، سحب الهوية المقدسية ومنعه من الدخول للضفة الغربية، ومنعه من التواصل مع الكثير من الشخصيات الفلسطينية، واعتقاله الإداري المتكرر، وإبعاد زوجته وطفله.

وعن أثر الإجراءات العقابية يعتبر أبو عصب في حديث ل”بالغراف” أن الحموري حرم من تشكيل أسرة في منزله بسبب القرارات التي اتخذت بحقه، وحرم من كافة حقوقه التي أقرتها القوانين، فاتبعت سلطات الاحتلال مجموعة من القوانين التي تعطي مجال لوزير الداخلية أن يقرر إبعاد أي شخص بناء على تقييمه الشخصي، وهذا ما مارسته عنصرية الاحتلال وحكومة شاكيد التي أرادت أن تتوجه ظلمها وسياساتها المجحفة في آخر أيامها بالحكومة بإبعاد الأسير الحموري إلى فرنسا.

وبدوره حمل أبو عصب المسؤولية للسلطات الفرنسية حول هذا الإبعاد، كونها شريكة فيه ومارست الصمت حيال ما حصل مع الحموري على رغم من حمله الجنسية الفرنسية، وكانت دائماً تطلب من الأهل أن يلزموا الصمت وتقنعهم بأن هناك مفاوضات خلف الكواليس وأنها ستثمر، ولكن للأسف قمرة هذه الكواليس انتهت بتنفيذ قرار الترحيل فجر اليوم.

ويؤكد أبو عصب أن قوات الاحتلال اختارت التوقيت الذي يناسبها وفصلته على مقاسها وأرادت ترحيل صلاح في التاريخ نفسه الذي تعقد فيه مباراة كأس العالم النهائية بين فرنسا والأرجنتين، فكل أنظار الفرنسيين تتجه نحو الدوحة لمتابعة أخبار المنتخب في النهائي، فبالتالي أنظار الإعلام كلها تتجه لتغطية المباراة وسيكون الاهتمام الإعلامي الفرنسي في موضوع الأسير الحموري ضئيل، وبالتالي ردود الأفعال الفرنسية ضئيلة.

نفي وليس ترحيل..

لم يكن الحموري هو الأول الذي تسحب هويته، فقد قام الاحتلال بسحب هويات مجموعة من الأسرى المقدسيين على رأسهم أعضاء من المجلس التشريعي، وأعضاء خلية سلوان ومنهم الأسير منير الرجبي واسحق عرفة وغيرهم، فهذا الاجراء قام الاحتلال بتوسيعه ليقوم بنفي الأسير الحموري ولم يبق على سحب هويته فقط.

ويوضح شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق في حديث ل “بالغراف” أن ما قام به الاحتلال فجر اليوم هو ليس ترحيل بل إبعاد قسري ونفي من الناحية القانونية، فالحموري هو فلسطيني مقدسي أحد سكان الأراضي المحتلة فيجب أن يكون محمي، وبالتالي عملية إبعاده تشكل جريمة حرب بموجب اتفاقية جنيف الرابعة والذي يطلق عليه بلغة القانون حسب الاتفاقية انتهاك جسيم، وهو ابعاد السكان وطردهم بشكل تعسفي، وهذا ما حصل مع الحموري.

ويبين جبارين أن المرتكز القانوني الذي حاول الاحتلال الارتكاز عليه هو موضوع الولاء للدولة، وهذا اختراع احتلالي أولاً والتفكير بحد ذاته على هذا النحو هو جريمة، بمعنى ثان إرغام سكان الأرض المحتلة بالولاء لقوة الاحتلال هذا يعتبر جريمة، فقانونهم بأصله هو جريمة ومخالف لقواعد القانون الدولي، وأكثر من ذلك فإن القانون الدولي يفترض ويشترط أن أي شعب تحت الاحتلال عليه أن ينادي ويقاتل من أجل حريته، ومن أجل تقرير مصيره، وما يتصرفه الاحتلال هو مخالف لكل قواعد القانون الدولي وهو جريمة دولية.

واعتبر جبارين أن ما حصل ليس خاصاً فقط بالحموري، فهو سابقة خطيرة جداً فبالتالي تتحدث عن سياسة رسمية بموجب قانون ستهدد كل فلسطيني وفلسطينية موجود بالقدس، على هذه القاعدة قاعدة الولاء وهذا تعديل بالكنيست في حينه الذي سعى اليه الاحتلال في موضوع سحب هويات أعضاء البرلمان  الفلسطيني من خطة الإصلاح والتغيير اللذين طردوهم من القدس، فبالتالي المحكمة كانت تماطل في الموضوع للحسم فيها، لحين اختراعهم هذا القانون منذ ٢٠١٨ وهنا تكمن الخطورة في الموضوع، فبالتالي الحموري ليس حالة فردية إنما ممثل الآن سابقة لظاهرة سياسية رسمية خطيرة جداً تهدد الجميع، ولا أحد يعلم الأمور إلى أين ذاهبة وخاصة إذا فرنسا تعجز لحماية الفلسطينيين حاملي الجنسيات الفرنسية في مكانهم، فالاحتلال ضرب بعرض الحائط ويمارس ما يحلو له ولا يهمه القانون الدولي ولا أية قرارات دولية أخرى.

صلاح والابعاد..

يقول والد الأسير صلاح احسان الحموري في حديث ل”بالغراف” أن الاحتلال قام فجر اليوم بنقل صلاح من سجن “هاداريم” إلى المطار من أجل نفيه ونقله إلى فرنسا، مستغل الوقت والمناسبة اليوم من أجل انشغال الإعلام الفرنسي بتغطية أحداث نهائي كأس العالم.

ومن جهتها تقول والدة الأسير الحموري في حديث ل”بالغراف” أن الاحتلال في شهر أيلول عام ٢٠٢٠ مضوا قرار بالسجن لصلاح وسحب هويته المقدسية منه، وبالسابع عشر من أكتوبر لعام ٢٠٢١ أي بعد مرور عام قرر الاحتلال وأكد على سحب هوية صلاح منه، وبعدها سحبوه من التأمين الوطني وأخذوا كافة حقوقه منه.

وتكمل والدته أن الاحتلال حرمه من زيارة القدس، ومن التنقل بحرية في الضفة المحتلة، وبعد ذلك تم اعتقاله في شهر اذار عام ٢٠٢٢ وحكم عليه إداري، ومنذ ذلك الوقت مضت شاكيد وأكدوا على قرارهم بضرورة إبعاده وترحيله وسحب هويته بالمرة، وتم تنفيذ القرار فجر اليوم بإبعاده.

وعلى الرغم من تواجد العديد من المحاميين واتباع العائلة كافة القوانين والأمور القانونية إلا أن الاحتلال اخترق كافة القوانين وقام بتنفيذ أوامره بترحيله الساعة السادسة فجر اليوم عبر طائرة إلى فرنسا.

“لكنا كما قلنا دوماً نقاوم النسيان ونتحدى من يحاول أن يفرضه، وهذا الواقع لا يستطيع أن يمنع إرادة التواصل وقوة الانتماء التي لا تقوى أن تهزم الهوية” هذه كانت رسالة صلاح الحموري في السابع عشر من ديسمبر لهذا العام بعنوان الضحية تتحدث لا تعتذر.

وأدانت وزارة الخارجية الفرنسية قرار السلطات الإسرائيلية المخالف للقانون بترحيل صلاح الحموري إلى فرنسا، فمنذ اعتقاله الأخير، اتخذت فرنسا إجراءات كاملة، بما في ذلك على أعلى مستوى في الدولة، لضمان احترام حقوق الحموري، واستفادته من جميع سبل الانتصاف القانونية، وتمكينه من أن يعيش حياة طبيعية في القدس، حيث ولد ويقيم ويرغب في العيش.

كما اتخذت فرنسا خطوات عديدة مع سلطات الاحتلال للتعبير بأوضح طريقة ممكنة عن معارضتها لطرد فلسطيني مقيم في القدس.

ومن جهته قال محمود حسان محامي الأسير الحموري أن إبعاده لا يندرج تحت أي إطار قانوني وخارج عن كل السياقات والأعراف الدولية، هذا المقدسي الذي تربى وولد وتعلم في مدينة القدس وله علاقات اجتماعية واسعة يصبح في يوم ولية غريباً عن بلاده.

وبدورها عبرت النائب الفرنسي كليمنتين أوتين عن غضبها بهذا القرار  وقالت أن طرد الاحتلال للأسير الحموري يعد كارثة على حقوق الإنسان الفلسطينية، فيما استنكرت منظمة العفو الدولية ترحيل الحموري لعدم شرعية طرده.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة