محمد عبد الله
في مشهدٍ يختزل قسوة حرب الإبادة وتداعياتها النفسية والإنسانية، لم يكن الشاب أسامة أبو نصار (24 عاماً) يتوقع أن تتحول لحظة خروجه لشراء حاجيات بسيطة لطفله الوحيد إلى كابوسٍ مفتوح، ينتهي بتعذيب ابنه أمام عينيه ومن ثم اعتقاله، في واقعة تثير صدمة واسعة في أوساط سكان مخيم المغازي وسط قطاع غزة.
يروي الجد محمد أبو نصار، في مقابلة خاصة لموقع “بالغراف”، تفاصيل الحادثة التي وقعت في التاسع عشر من آذار، وهو اليوم الأخير من شهر رمضان، قائلاً إن نجله أسامة خرج برفقة طفله جواد، البالغ من العمر عاماً واحداً، من منزلهما في المنطقة الشرقية القريبة من الخط الأصفر، بهدف شراء بعض الاحتياجات.
لكن الرحلة القصيرة تحولت سريعاً إلى لحظة خطر، حين وجد أسامة نفسه محاصراً بإطلاق نار من قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تحلق فوقه طائرة مسيرة من نوع “كواد كابتر”، طالبةً منه عبر مكبرات الصوت أن يضع طفله على الأرض ويتقدم نحو حاجز عسكري، بعد خلع ملابسه.
“نفذ كل ما طُلب منه دون أي مقاومة”، يقول الجد، موضحاً أن نجله كان يعيش أصلاً حالة نفسية صعبة، تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة بفعل الحرب، وفقدانه مصدر رزقه الوحيد بعد موت حصانه الذي كان يعتمد عليه في العمل، إلى جانب خسارته جنيناً خلال فترة حمل زوجته.
وبحسب رواية العائلة وشهادات سكان في المنطقة، فإن الجنود احتجزوا أسامة على الحاجز، وبدأوا التحقيق معه، في ظل اعتقادهم بأنه يخفي معلومات أو يمتنع عن الإجابة.
ومع عجزه عن تقديم ما يريدون، تم إحضار طفله الصغير جواد إلى المكان ذاته، لتبدأ مرحلة أكثر قسوة.
يقول الجد: “قاموا بتعذيب الطفل أمام والده، للضغط عليه كي يعترف”، مشيراً إلى أن التعذيب شمل إطفاء السجائر في جسد الطفل، واستخدام أدوات حادة تسببت بثقب في قدمه، وفق ما وثقه تقرير طبي لاحق.
ساعات طويلة مرت، والأب عاجز عن حماية طفله أو حتى الاقتراب منه، في مشهد وصفه شهود بأنه “يتجاوز كل حدود الإنسانية”، قبل أن يتم لاحقاً الإفراج عن الطفل بعد نحو عشر ساعات من احتجازه.
وفي وقت متأخر من الليل وبعد عشر ساعات من الاحتجاز، تسلمت العائلة الطفل عبر طواقم الصليب الأحمر، في أحد شوارع سوق المغازي، وهو يعاني من إصابات جسدية واضحة، إلى جانب حالة نفسية صعبة.
“ومنذ ذلك الحين، يخضع جواد للعلاج، وسط مخاوف من آثار طويلة الأمد قد تلازمه نتيجة الصدمة” يقول الجد.
وتابع أبو نصار “أما الأب أسامة، فما زال معتقلاً حتى اللحظة، وسط معلومات تفيد بإصابته برصاصة في الكتف أثناء احتجازه، دون توفر تفاصيل دقيقة حول وضعه الصحي أو ظروف اعتقاله”.
ويقول الجد إن العائلة تحاول عبر الصليب الأحمر، إيصال رسالة إلى أسامة بأن طفله بخير وقد عاد إلى حضن والدته، خشية أن يكون يعتقد أن ابنه تُرك لمصير مجهول بعد تعذيبه، وهو ما قد يفاقم حالته النفسية المنهارة أصلاً.
ويؤكد الجد أن نجله “لا علاقة له بأي نشاطات مقاومة”، مطالباً بالإفراج الفوري عنه، ومناشداً المؤسسات الدولية والحقوقية التدخل العاجل لوقف ما وصفه بـ”الانتهاك الصارخ بحق طفلٍ لا يتجاوز عمره عاماً واحداً”.
الحادثة، كما يرويها أفراد العائلة، لا تمثل مجرد واقعة فردية، بل تعكس واقعاً إنسانياً مأساوياً يعيشه المدنيون في مناطق التماس، حيث تتحول أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى مخاطر غير متوقعة، ويدفع الأطفال الثمن الأكبر.
في مخيم المغازي، حيث ما تزال آثار الحرب حاضرة في كل زاوية وركام، يواصل الطفل جواد رحلة التعافي، فيما يبقى والده خلف القضبان، شاهداً على واحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياته، لحظة لم يتمكن فيها من حماية طفله، ولا حتى إغلاق عينيه عن مشهد ألمه.




