هيئة التحرير
شاب ينام في مركبة، وآخر يجلس على الأرض، وأطفال يتكدسون في السيارات، وسائقون توقفت أعمالهم، ونساء تعبت أجسادهن، وموظفون أُرهِقوا من طول الانتظار، هكذا تبدو المشاهد على حواجز الاحتلال في مدن الضفة وتحديدًا على مداخل مدينة رام الله.
وتأتي هذه المشاهد في ظل تشديد غير مسبوق تشهده هذه الحواجز يتمثل بإغلاق شبه تام للحواجز لساعات طويلة، ما يتسبب بتكدس آلاف المواطنين عليها، لساعات طويلة تمر كالموت البطيء على كل منتظر.
هذه الإغلاقات سببت أزمات مرورية كبيرة في الطرقات، إلى جانب آثارها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تتركها لدى المواطنين نتيجة تكرار الإغلاقات، الأمر الذي ساهم في تكبد المواطنين معاناة كبيرة في يومهم حيث باتوا يقضون نصفه وأكثر على الطريق.
حواجز تعيد تشكيل الحيز الفلسطيني
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أوضحت أن منظومة الحواجز ونقاط الإغلاق في الضفة الغربية تحولت إلى بنية مكانية واسعة تعيد تشكيل الحيز الفلسطيني نفسه، وتفرض عليه شروطًا قهرية متزايدة.
وأفادت بأن تكثيف الحواجز والبوابات والسواتر والخنادق عند مداخل المدن والبلدات والقرى وعلى الطرق الرابطة بينها يحوّل التواصل الجغرافي الفلسطيني إلى شبكة من المسارات الخاضعة للتحكم، ويعيد تقسيم الضفة الغربية عمليًا إلى كانتونات وجيوب محاصرة يمكن وصلها أو فصلها وإغلاقها في أي وقت.
ونتيجة لذلك لا يصبح الحاجز أداة لمنع المرور فحسب، وإنما وسيلة للتحكم بالوصول إلى العمل والتعليم والعلاج والأرض الزراعية ومراكز الخدمات، بما يرفع كلفة الحياة اليومية ويضيّق إمكانات الاستقرار والحركة، ويساهم في إنتاج بيئة قهرية طاردة تجعل استمرار الحياة الفلسطينية الطبيعية أكثر صعوبة. وفق الهيئة.
942 حاجزًا وعائقًا في الضفة
الهيئة أكدت أن عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والعوائق المرصودة وصلت 942 حاجزًا وعائقًا، منها 824 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة.
فيما يصنف مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة ما مجموعه 118 عائقًا خطيًا من السواتر والخنادق وحواجز الطرق، يصل مجموع أطوالها إلى نحو 107.7 كم تضاف إلى المنظومة.
الهيئة أوضحت أن دلالة هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، وإنما في الطريقة التي تنتظم بها مكانيًا فانتشار نقاط الإغلاق على عقد الطرق والمداخل يحوّل الحيز الفلسطيني إلى حيز مُحاط ومُجزّأ بالحواجز، وقابل للإغلاق وإعادة التقسيم بصورة فورية، ويجعل حرية الحركة والوصول خاضعة لمنظومة تحكم دائمة.
وأشارت إلى أنه تؤدي منظومة الإغلاق وظيفة تتجاوز تقييد التنقل إلى إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، عبر تقليص التواصل بين التجمعات، وتعميق عزلها عن بعضها، وإضعاف العلاقة بين السكان وأراضيهم ومراكز حياتهم، بما يراكم ظروفًا مكانية واقتصادية واجتماعية تضغط على قدرة الفلسطينيين على البقاء والاستقرار في أرضهم.
تفاوت واضح بين المحافظات
الهيئة أردفت بأن الخريطة المكانية للحواجز الثابتة تكشف تفاوتًا واضحًا بين المحافظات، إذ تتصدر محافظة الخليل بـ221 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة، تليها رام الله والبيرة بـ 160، ثم نابلس بـ 120، ثم بيت لحم بـ78، والقدس بـ62، وقلقيلية بـ 41، وسلفيت بـ 40، وأريحا والأغوار بـ27، وجنين وطولكرم بـ 26 لكل منهما، وطوباس بـ 23.
وتابعت بأن هذه الأرقام لا تعكس مجرد كثافة عددية، بل تشير إلى شبكة من نقاط التحكم الموضوعة على مداخل التجمعات وعقد الطرق والممرات التي تصل الريف الفلسطيني بمراكز المدن والخدمات.
التطورات الأخيرة تُظهِر أن هذه المنظومة لا تزال في طور التوسع. فقد جرى خلال الشهرين الماضيين رصد 13 بوابة وحاجزًا ثابتًا جديدًا أضيفت إلى قاعدة البيانات، بينها 10 بوابات في محافظة جنين وحدها، الأمر الذي رفع حصيلة المحافظة من 16 إلى 26 نقطة ثابتة. كما جرى رصد بوابة جديدة على طريق الجريوت غرب رام الله، إلى جانب بوابات أخرى أقيمت في المجال الريفي غرب وشمال غرب المحافظة.
الهيئة أوضحت أن المستعمرين انتقلوا من الاستفادة من منظومة الحواجز التي يقيمها جيش الاحتلال إلى إنشاء أدوات إغلاق ثابتة بأنفسهم داخل المجال الفلسطيني، ففي منطقة وادي حمد على أراضي كفر نعمة أقام مستعمرون بوابة حديدية للتحكم بالوصول إلى المنطقة والأراضي المحيطة بها.
فيما أقام مستعمرون بوابة أخرى شرق أم صفا على الطريق المؤدي إلى منزل عائلة فلسطينية، واستخدمت لاحقًا في تقييد وصول أفرادها. فيما أكدت الهيئة أن أهمية هذه الحالات لا تكمن في عدد البوابات فحسب، وإنما في ظهور فاعل جديد يمارس بصورة مباشرة وظيفة كانت ترتبط أساسًا بالجيش: التحكم بالطريق وتحديد من يستطيع العبور ومتى.
التحول في طبيعة الاعتداءات
الهيئة أفادت بأن هذا النمط يُظهِر تحولًا في طبيعة اعتداءات المستعمرين، من الاعتداء اللحظي على المواطن أو الأرض أو الممتلكات إلى إنتاج وقائع مكانية قابلة للاستمرار. فإقامة بوابة على طريق زراعي أو مدخل محلي لا تحتاج إلى أن تكون مغلقة بصورة دائمة حتى تؤدي وظيفتها؛ وجودها بحد ذاته يجعل إمكانية الوصول قابلة للمنع في أي وقت، ويمنح المستعمرين قدرة عملية على التحكم بحركة أصحاب الأرض.
وعندما يقترن ذلك بإغلاق طرق بديلة أو إقامة بؤر رعوية واستعمارية قريبة، تتحول البوابة من جسم معدني محدود إلى أداة لإعادة تنظيم استخدام الفلسطينيين للمكان، ودفعهم نحو طرق أطول أو الحد من وصولهم إلى أراضيهم ومنازلهم ومرافقهم.
تطور بوتيرة ليست ثابتة
تكشف الذروات التاريخية لمنظومة الإغلاق أن الحواجز لم تتطور بوتيرة ثابتة، بل اتسعت في موجات ارتبطت بمراحل تصعيد وإعادة تنظيم السيطرة على الحركة.
ففي 2003، وفي ذروة الانتفاضة الثانية، وثقت منظمات دولية منها أوتشا 757 حاجزًا وعائقًا، كان 464 منها سواتر ترابية، بما يعكس آنذاك نموذج الإغلاق الواسع للطرق والتجمعات. ثم سجلت 630 عائقًا في 2008، قبل أن ترتفع الحصيلة إلى 705 في 2018؛ وفي هذه المرحلة أصبح استخدام البوابات والحواجز ذات البنية الثابتة أكثر حضورًا، إذ سجل مسح 2018 وحده 140 حاجزًا و165 بوابة طرق، إلى جانب السواتر والمكعبات والخنادق وغيرها من العوائق. بحسب الهيئة.
وأوضحت أن الموجة الأحدث تتميز ليس فقط بارتفاع العدد، وإنما بتغير نوعية منظومة الإغلاق نفسها. فقد بلغ العدد 793 عائقًا في آذار 2024، ثم وثقت 925 عائقًا في كانون الأول 2025، وهي المرحلة ذاتها التي أصبحت البوابات فيها العنوان الأكبر في منظومة الإغلاق، التي حولتها دولة الاحتلال من منظومة مشغولة بالجنود إلى منظومة تستغني فيها عن الجنود لصالح الإغلاق والكاميرات ومنظومة المراقبة المكثفة على الوجود الفلسطيني، وهو أعلى مستوى تم تسجيله خلال عشرين عامًا.
وأكدت أن الحواجز والبوابات باتت تشكل قرابة 62% من المنظومة، بعدما كانت البنية الأكثر تعقيدًا تمثل نحو 17% فقط قبل عقدين. فيما تصل الحصيلة المحدثة في 2026 إلى 942 حاجزًا وعائقًا.
ولفتت الهيئة إلى أن الخطورة تكمن بأن هذه الممارسة تكشف تداخلًا متزايدًا بين منظومة السيطرة العسكرية وتمدد المستعمرين على الأرض؛ فالحاجز العسكري والبوابة التي يقيمها المستعمر قد يختلفان في الجهة التي أنشأتهما، لكنهما يلتقيان مكانيًا في النتيجة عندما يؤديان إلى تضييق المجال المتاح للحركة الفلسطينية.
وترى الهيئة بأن 942 حاجزًا وعائقًا لا تمثل فقط بنية لتقييد حركة الفلسطينيين، وإنما شبكة لإعادة هندسة المجال الفلسطيني نفسه؛ فالسيطرة على الطريق تعني عمليًا السيطرة على العلاقة بين السكان وأرضهم وبين القرية والمدينة وبين التجمعات الفلسطينية بعضها ببعض.




