محمد عبد الله
تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي، حصار مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، لليوم الثاني على التوالي، في إطار عملية عسكرية قالت إنها ستستمر عدة أيام، وأسفرت عن إجبار نحو 1500 فلسطيني على إخلاء منازلهم في منطقتي الجلدة ودير بحة، وسط مخاوف من تهجير نحو 2500 آخرين خلال الساعات المقبلة، في وقت باتت فيه أكثر من 200 عائلة بلا مأوى، وفق معطيات فلسطينية.
وتترافق العملية مع إغلاق مداخل المدينة وطرقها، وهدم بناية سكنية ومنشآت تجارية وصناعية، واقتحام مئات المنازل وتفتيشها، وتحويل منازل أخرى إلى ثكنات عسكرية، في إجراءات أثارت تحذيرات فلسطينية من سياسة العقاب الجماعي، نظرًا لاتساع نطاقها وانعكاساتها على حياة السكان وممتلكاتهم وحقهم في التنقل والسكن.
وبينما تقول إسرائيل إن العملية تأتي في أعقاب هجوم مسلح استهدف حاجزًا عسكريًا وأسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، وفق المعطيات الإسرائيلية، تتواصل التداعيات الإنسانية على سكان الخليل، مع اضطرار عائلات إلى مغادرة منازلها ليلًا وقضاء ساعات في العراء، بالتزامن مع إعلان البلدية تفعيل خطة طوارئ وفتح مراكز إيواء لاستقبال المتضررين.
وفرضت قوات الاحتلال، الجمعة، طوقًا عسكريًا على مدينة الخليل، وأغلقت مداخلها ومخارجها باستخدام الآليات والجرافات العسكرية، ومنعت الفلسطينيين ومركباتهم من الدخول والخروج، بالتزامن مع إغلاق طرق في محيط المدينة ومناطق أخرى من المحافظة، بما فيها مدينة حلحول.
وفي أعقاب فرض الحصار، أجبرت القوات الإسرائيلية عائلات فلسطينية على إخلاء منازلها في منطقتي الجلدة ودير بحة، وأجبرتها على مغادرة مساكنها والوقوف في العراء، وفق ما أفادت به مصادر فلسطينية.
وأظهرت مقاطع مصورة تداولتها منصات محلية عائلات تغادر منازلها في ساعات متأخرة من الليل، وسط مشاهد لنساء وأطفال وكبار سن، اضطر بعضهم إلى الخروج بملابس النوم، فيما حمل آخرون ما تمكنوا من جمعه من ملابس ومقتنيات شخصية.
رئيس بلدية الخليل، يوسف الجعبري، قال في تصريحات لوكالة رويترز، إن أخطر ما شهدته المدينة هو محاصرة منطقتي الجلدة ودير بحة ومطالبة المواطنين بإخلاء منازلهم، مشيرًا إلى أن المشهد شمل، للمرة الأولى، كبار السن والأطفال والنساء والرجال في الشوارع والعراء.
وأضاف الجعبري أن الإجراءات الإسرائيلية شملت عمليات هدم واسعة لمنشآت صناعية وتجارية وأبنية سكنية، إلى جانب الاعتداء على البنية التحتية والشوارع والأرصفة، معتبرًا أن إغلاق المدينة وتهجير سكان أحياء كاملة إجراءات غير مبررة.
وبحسب المعطيات الفلسطينية، أجبرت قوات الاحتلال نحو 1500 مواطن على إخلاء منازلهم في المنطقتين، فيما تعتزم تهجير نحو 2500 آخرين خلال الساعات المقبلة، في حين تجاوز عدد العائلات التي نزحت من منازلها 200 عائلة.
وتضع هذه الأرقام مئات العائلات أمام احتياجات إنسانية عاجلة، تشمل المأوى والغذاء والملابس والخدمات الصحية، خاصة في ظل استمرار الإغلاق وصعوبة التنقل والوصول إلى المناطق المتضررة.
ولم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على إخلاء السكان، إذ هدمت جرافات الاحتلال، الجمعة، بناية سكنية مكونة من ثلاث شقق في منطقة فرش الهوى غرب مدينة الخليل، كما هدمت منشآت ومحال تجارية في المنطقة التي شهدت عملية إطلاق النار.
وأغلقت القوات المنطقة ومدخلها الرئيسي، الذي يعد منفذًا يربط المدينة بالشارع الالتفافي، ومنعت المواطنين ومركباتهم من الدخول إليها أو الخروج منها، بالتزامن مع إغلاق طرق ومداخل أخرى في المدينة ومحيطها.
كما اقتحمت القوات منازل فلسطينية وفتشتها، وحولت عددًا منها إلى مواقع عسكرية وثكنات تستخدمها قوات الاحتلال، ورفعت العلم الإسرائيلي فوق بعضها، وفق مقاطع مصورة تداولتها منصات إعلامية محلية.
وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية ببدء السيطرة على مبان في المدينة بهدف تعزيز السيطرة على محاور الطرق المؤدية إلى المستعمرات، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أن عمليته تستهدف المنطقة التي خرج منها منفذا الهجوم، وتشمل عمليات تفتيش واسعة بحثًا عن أسلحة وما وصفه بـ”البنى التحتية للإرهاب”، إضافة إلى التحقيق مع مشتبه بهم.
وقال الجيش إن العملية، التي يشارك فيها الجيش وجهاز الأمن العام “الشاباك” وحرس الحدود والإدارة المدنية، ستستمر عدة أيام، مشيرًا إلى السماح للسكان بمغادرة منطقة العمليات عبر ثلاث نقاط مخصصة، بعد إخضاعهم للتفتيش والاستجواب.
كما أشار إلى اتخاذ إجراءات إضافية في الضفة الغربية، شملت فرض طوق عسكري على الخليل وحلحول، وتنفيذ اقتحامات وعمليات تمشيط واعتقال في مناطق مختلفة.
وتثير الإجراءات المتواصلة في الخليل مخاوف من اتساع آثار العملية العسكرية لتشمل السكان المدنيين على نطاق واسع، في ظل الجمع بين الحصار والتهجير القسري وهدم المساكن والمنشآت، وتعطيل حركة المواطنين والخدمات الأساسية.
واعتبر رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري أن رد الفعل الإسرائيلي مبالغ فيه، وربط الإجراءات بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية، قائلًا إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والوزراء المتطرفين يسعون، وفق تقديره، إلى كسب أصوات من اليمين المتطرف والمستوطنين.
وأضاف أن الإجراءات شملت الاعتداء على البنية التحتية وإغلاق مدينة الخليل وتهجير سكان أحياء كاملة، مشددًا على أن ما يجري يضع السكان أمام ظروف إنسانية صعبة.
وفي السياق، أعلن نادي الأسير الفلسطيني أن العملية العسكرية في الخليل تأتي ضمن تصعيد أوسع تشهده الضفة الغربية، بما فيها القدس، منذ الحرب على قطاع غزة، مشيرًا إلى اتساع نطاق الاعتقالات والمداهمات والتحقيقات الميدانية.
وقال النادي إنه رصد نحو 70 حالة اعتقال منذ الجمعة وحتى فجر السبت في مختلف محافظات الضفة الغربية، أُفرج عن جزء من أصحابها، فيما تواصلت الاعتقالات والتحقيقات الميدانية التي طالت مئات المواطنين.
وأوضح أن المداهمات طالت مئات المنازل في الخليل، وترافقت مع إجبار مواطنين على النزوح من مناطق محددة، وتحويل عشرات المنازل إلى ثكنات عسكرية ومراكز للتحقيق الميداني، فضلا عن أعمال تخريب وتدمير طالت المنازل ومحتوياتها.
وأضاف أن الاعتقالات والاقتحامات امتدت إلى محافظات أخرى، واستهدفت منازل أسرى سابقين ومحررين وعائلات شهداء، مشيرًا إلى تعرض عدد من المعتقلين الذين أُفرج عنهم لاحقا لاعتداءات وتهديدات وتنكيل.
وتعكس هذه المعطيات اتساع نطاق الإجراءات العسكرية خارج المنطقة التي تتركز فيها العملية، وما تسببه من ضغوط على السكان، في وقت تتواصل فيه التحذيرات الفلسطينية من استخدام التدابير الجماعية لمعاقبة مناطق كاملة على خلفية أحداث أمنية.
وفي مواجهة التداعيات الإنسانية، أعلنت بلدية الخليل تفعيل خطة الطوارئ الشاملة، خلال اجتماع طارئ عقد فجر السبت برئاسة رئيس البلدية يوسف الجعبري، وبمشاركة ممثلين عن مؤسسات محلية.
وتتضمن الخطة رفع جاهزية طواقم المياه والكهرباء والنظافة والصيانة، وتفعيل غرفة العمليات المركزية على مدار الساعة، لمتابعة بلاغات المواطنين والتعامل مع الأعطال والحالات الطارئة، إلى جانب التنسيق مع المؤسسات الصحية والإنسانية لتأمين الاحتياجات الأساسية وتسهيل وصول الخدمات إلى المناطق المغلقة.
كما قرر المجلس البلدي تجهيز مراكز إيواء، في مقدمتها المركز الكوري الفلسطيني ومجمع إسعاد الطفولة، لاستقبال العائلات النازحة والمتضررة وتوفير الخدمات الأساسية لها، بالتنسيق مع الجهات الشريكة.
وأكدت البلدية استمرار عمل غرفة الطوارئ على مدار الساعة، في ظل استمرار الإغلاقات وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، فيما تعمل طواقمها على ضمان استمرارية الخدمات العامة قدر الإمكان.
من جهتها، أعلنت مديرية التربية والتعليم في الخليل أن يومي الأحد والإثنين، الموافقين 25 و26 تشرين الأول/أكتوبر، سيكونان يومي دوام مهمات في جميع المدارس الحكومية والخاصة في المحافظة، على أن يُستأنف الدوام الوجاهي المعتاد من الثلاثاء 27 وحتى الخميس 29 من الشهر نفسه، مع متابعة المستجدات الميدانية.
ويأتي القرار في إطار الإجراءات الاحترازية لحماية الطلبة والكوادر التعليمية والإدارية، وسط استمرار العملية العسكرية وما يرافقها من إغلاقات وتقييد لحركة المواطنين.
وبينما يعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن عمليته تستهدف منفذي الهجوم ومناطق انطلاقه، يواجه سكان الخليل تداعيات تتجاوز نطاق الملاحقة الأمنية، مع تهجير آلاف الأشخاص المحتملين، وتضرر مساكن ومنشآت، وتعطل الحركة والخدمات.
وفي ظل استمرار الحصار، تبقى أوضاع العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها، وقدرتها على العودة إليها، من أبرز الأسئلة الإنسانية التي تفرضها العملية العسكرية على المدينة.




