فاطمة الخطيب
في السادسة والنصف صباحًا، أغادر منزلي في قرية برقة، شرق رام الله، متجهة إلى عملي الذي يبدأ عند الثامنة. لا تفرض المسافة وحدها هذا الموعد المبكر، بل احتمال أن يعترضني حاجز عسكري في الطريق. حاجز طيار عند مدخل القرية أسفل الجسر، أو عند بوابة دير دبوان على الطريق بين بيتين ودير دبوان، أو في عين يبرود.
لا أعرف أي الطرق سأواجه في ذلك الصباح، ولا أيها سيتيح لي الوصول في الوقت المحدد.
وفي طريق العودة، قد أنتظر قرابة ساعة، وربما أقل أو أكثر، قبل أن أتمكن من مواصلة الطريق، وفقًا لما يجري على الحاجز ومزاج الجندي الإسرائيلي بالسماح للسيارات بالمرور.
أروي هذه التفاصيل لأنها أصبحت جزءًا من حسابات يومي. لكنني، كلما فكرت فيها، وجدت أن السؤال لا يتعلق بموعد خروجي من المنزل، ولا بالوقت الذي أخسره في الانتظار وحده. ثمة سؤال أعمق يختبئ خلف هذه التفاصيل: ماذا يحدث لحياة الإنسان حين لا يعود قادرًا على التعامل مع الوقت والمكان بوصفهما أمرين يمكن التنبؤ بهما، وحين يصبح الوصول إلى وجهته مرتبطًا بقرار لا يملكه؟
في الظروف الطبيعية، يغادر الإنسان منزله وهو يعرف، ضمن هامش معقول، كم سيستغرق الطريق. قد يتأخر بسبب ازدحام أو عطل، لكن التأخير يظل احتمالًا عابرًا، لا عنصرًا أساسيًا في تنظيم حياته. أما حين يصبح الحاجز احتمالًا يوميًا، فإن العلاقة بالوقت تتغير. لا يكفي أن تعرف متى يبدأ دوامك؛ عليك أن تحسب حساب ما قد يمنعك من الوصول إليه. ولا يكفي أن ينتهي عملك لتبدأ رحلة العودة؛ عليك أن تترك لنهايتها وقتًا لا تستطيع تحديده.
هكذا، لا يبقى الحاجز في المكان الذي أُقيم فيه. إنه يمتد إلى ما قبله وما بعده؛ إلى موعد مغادرتك، وإلى خططك، وإلى قدرتك على ترتيب يومك. وقد لا يكون موجودًا في الطريق الذي تسلكه فعلًا، لكن احتمال وجوده يكون حاضرًا في القرار الذي تتخذه قبل أن تغادر المنزل.
هنا تتجاوز المسألة الجغرافيا؛ فالقيد لا يحدد أين تستطيع الوصول فحسب، بل يتدخل أيضًا في الطريقة التي تخطط بها للوصول.
حين تتغير حدود الحياة الطبيعية
لا تتشكل آثار الاحتلال في اللحظات التي يقع فيها الحدث وحدها، بل أيضًا في الطريقة التي يفرض بها حضوره على ما لا يزال احتمالًا. فالاقتحام الذي يقع في قرية، والحاجز الذي يُنصب على طريق، والاعتقال الذي يترك عائلة تنتظر، ليست وقائع منفصلة تمامًا عن بقية الحياة. إنها أحداث تتراكم آثارها، وتدخل في حسابات الناس، وتؤثر في شعورهم بما يمكن توقعه من يوم عادي.
وقد يكون أكثر هذه الآثار تعقيدًا هو اضطرار الإنسان إلى إعادة تنظيم حياته حول ما لا يستطيع التحكم فيه. حين يصبح احتمال إغلاق الطريق جزءًا من حسابات الذهاب إلى العمل، وحين يرتبط موعد الوصول بظروف متغيرة لا يملك الفرد قرارها، فإن الأمر يتجاوز التأخير إلى تقلص مساحة السيطرة على تفاصيل الحياة.
ليس المقصود أن الفلسطيني يفقد قدرته على التخطيط، بل يُضطر إلى التخطيط في ظل قيود إضافية فُرضت عليه. وليس المقصود أن كل يوم يحمل الخطر نفسه، بل إن احتمال التعطيل قد يظل حاضرًا حتى في الأيام التي تمر دون حادثة مباشرة.
وهذا ما يجعل مفهوم الحياة الطبيعية سؤالًا سياسيًا وإنسانيًا في آن واحد. فمن يملك القدرة على الحركة بحرية لا يحتاج عادةً إلى التفكير في الطريق بهذه الطريقة. أما من يضطر إلى حساب الحواجز قبل أن يغادر منزله، فإن الطريق لا يعود مجرد مسافة بين نقطتين؛ بل يصبح مساحة تتداخل فيها الحركة مع السلطة، والوقت مع الانتظار، والخطة مع احتمال تعطيلها.
إن ما يتغير هنا ليس جدول المواعيد وحده، بل الشروط التي تُعاش الحياة ضمنها.
التكرار لا يجعل الحدث أقل أهمية
ثمة مفارقة في الأخبار التي تتكرر: كلما تكرر الحدث، ازدادت الحاجة إلى فهم آثاره التراكمية، لكن كثرة الأحداث قد تجعل من الصعب منح كل واحد منها الاهتمام الذي يستحقه.
في التغطية اليومية، قد يُختصر الحاجز في خبر عن إغلاق طريق، والاقتحام في عدد من المواقع المستهدفة، والاعتقال في حصيلة جديدة. هذه المعلومات ضرورية لتوثيق ما يحدث، لكنها لا تكفي وحدها لفهم كيف تتغير الحياة تحت وطأة تكراره.
فالإحصاء يسجل عدد الوقائع، لكنه لا يشرح بمفرده ما تعنيه للمجتمع. والخبر يصف ما حدث في لحظة معينة، لكنه قد لا يكشف كيف يتراكم أثر اللحظات المتشابهة على مدى أسابيع وشهور وسنوات.
ماذا يعني أن يخرج شخص من منزله أبكر مما يحتاج إليه بسبب احتمال وجود حاجز؟ ماذا يعني أن يظل وقت العودة غير مؤكد؟ وماذا يعني أن تصبح هذه الحسابات جزءًا من حياة عدد كبير من الناس، لا تجربة فردية عابرة؟
هذه ليست تفاصيل هامشية في القصة الفلسطينية؛ إنها جزء من القصة نفسها.
ومن هنا، لا تتمثل مسؤولية الصحافة في نقل الحدث المتكرر فحسب، بل في مقاومة اختزاله إلى مشهد مألوف. عليها أن تنتقل من سؤال “ماذا حدث اليوم؟ إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: “ماذا يفعل تكرار ما حدث بحياة الناس؟.
هل الاعتياد نسيان؟
قد يُفهم الاعتياد على أنه تراجع في الإحساس، لكن هذا الفهم يحتاج إلى مراجعة. فحين يتعلم الإنسان كيف يتصرف في ظروف متكررة، لا يعني ذلك أنه لم يعد يرى مشكلتها. وقد يكون تنظيم الحياة حول القيود استجابة عملية لواقع لا يستطيع تغييره بمفرده، لا تعبيرًا عن قبوله.
لا يمكن مطالبة الإنسان بأن يعيش كل يوم بالدهشة والخوف نفسيهما كي يثبت أن ما يواجهه خطير. فالحياة تستمر، والعمل لا ينتظر دائمًا، والالتزامات لا تختفي. والقدرة على مواصلة اليوم قد تكون ضرورة، لا موقفًا من الظروف المحيطة.
لكن ثمة فرقًا بين أن يعتاد الإنسان طريقة التعامل مع العائق، وأن يصبح العائق مقبولًا في نظره أو في نظر المجتمع. الفرق هو بين التكيف مع الواقع وبين منح هذا الواقع صفة الطبيعية.
والخلط بين الأمرين قد يؤدي إلى ظلم إضافي: أن يصبح نجاح الناس في تدبير شؤونهم سببًا للتقليل من القيود التي يواجهونها، وكأنهم ما داموا قادرين على الوصول إلى أعمالهم ومواصلة حياتهم، فإن الأثر لم يعد يستحق الاهتمام.
لهذا، لا ينبغي أن نسأل الفلسطيني فقط كيف يواصل حياته، بل أن نسأل أيضًا عن الشروط التي يُضطر إلى مواصلة حياته في ظلها.
ما الذي نرفض أن يصبح عاديًا؟
لا أعتقد أن المطلوب هو أن نظل مندهشين أمام كل حاجز، أو أن نتعامل مع كل واقعة كما لو أنها الأولى من نوعها. المطلوب هو ألّا تتحول الألفة إلى مقياس للحكم على خطورة ما يحدث؛ فليس كل ما أصبح متوقعًا طبيعيًا، وليس كل ما تعلمنا التعايش معه مقبولًا.
وربما تكمن مسؤوليتنا، بوصفنا صحفيين ومواطنين، في أن نعيد إلى التفاصيل المتكررة معناها الذي قد تحجبه كثرة الأخبار. أن نرى في الوقت الذي يُنتزع من يوم شخص، وفي الطريق الذي يتعذر عبوره، وفي الموعد الذي يصبح الوصول إليه غير مؤكد، أكثر من إزعاج يومي؛ أن نرى أسئلة تتعلق بالحرية والكرامة والحق في تنظيم الحياة.
فالمشكلة ليست أن الفلسطيني تعلّم كيف يواصل طريقه رغم الحاجز، بل أن يصبح وجود الحاجز شرطًا يضطر إلى تنظيم حياته على أساسه.
ولهذا، فإن السؤال «هل اعتدنا ما كان يجب ألّا يصبح عاديًا؟» لا يطلب منا أن نحكم على مشاعر الناس، أو أن نفترض أنهم فقدوا إحساسهم بما يحدث. إنه يدعونا إلى فحص ما أصبح مألوفًا في حياتنا، وما إذا كانت ألفتنا معه قد جعلت آثاره أقل ظهورًا في النقاش العام.
قد نستطيع أن نعيد ترتيب مواعيدنا، وأن نغادر مبكرًا، وأن نواصل العمل بعد ساعات الانتظار. لكن القدرة على التكيف لا ينبغي أن تتحول إلى معيار نقيس به ما إذا كانت الظروف عادلة أو مقبولة.
فأن نعرف كيف نعيش في ظل القيود شيء، وأن نقبل أن تكون القيود هي التي تحدد شروط حياتنا شيء آخر.




