loading

من بيت لاهيا إلى قلقيلية.. أبو العبد يزرع “ذهب غزة الأحمر” وينقل خبرته إلى الضفة

محمد عبد الله

على جانب شارع المرج في مدينة قلقيلية، يتجمّع المارة حول مزرعة صغيرة تحوّلت خلال أشهر قليلة إلى محطة لافتة لعشاق الفراولة. 

أطفال يقطفون الثمار بأيديهم، عائلات تلتقط الصور بين الخطوط الخضراء، ومزارع خمسيني يراقب المشهد بابتسامة رضا. 

في مدينة اشتهرت طويلاً بزراعة الجوافة والأفوكادو، نجح شحدة زعرب في إدخال محصول جديد، ناقلاً معه خبرة عقود من بيت لاهيا إلى قلقيلية.

أبو العبد (46 عاماً)، متزوج وأب لست بنات وولد، يقف منذ ساعات الصباح الأولى بين أشتال الفراولة، يقسم الأرض إلى مساحات محددة ليقطف يومياً الجزء الجاهز من الثمار. 

يقول في حوار مع “بالغراف”: “في هذه اللحظات أقوم بقطف الفراولة، وبشكل يومي أقسم الأرض إلى تقسيمات وأقطفها بالتدريج، ثم أبيع الإنتاج مباشرة على الطريق بجانب المزرعة، وهناك من يتصل بي ويحجز كميات مسبقاً”.

ينحدر أبو العبد من جنوب قطاع غزة، وتحديداً من خان يونس، غير أن تجربته الزراعية ارتبطت تاريخياً ببيت لاهيا، البلدة التي عُرفت بزراعة الفراولة وتصديرها لسنوات طويلة. 

هناك، عمل في تضمين الأراضي وزراعة الفراولة سواء في الدفيئات الزراعية داخل المواسير المعلقة أو في الأراضي المفتوحة. 

“لدينا خبرة بزراعتها منذ عشرات السنين، نعرف تفاصيلها من تجهيز التربة وحتى الحصاد”، يقول.

في عام 2021، قدم إلى الضفة الغربية واستقر في قلقيلية. لكن الحرب الجارية وتراجع الأوضاع الاقتصادية ألقيا بظلال ثقيلة على حياته، خاصة مع التزاماته تجاه عائلته في غزة. 

“المصروفات كبيرة والالتزامات كثيرة، ومررت بظروف صعبة جداً”، يوضح.

عمل بداية في كراج لتصليح المركبات في قرية جيوس قرب قلقيلية، كما اشتغل في أرض زراعية هناك. 

وبينما كان يبحث عن فرصة أفضل، أخبر صاحب الأرض بخبرته في الزراعة. ومن هنا بدأت القصة.

يقول أبو العبد: “سألت إن كان لديهم أي عمل زراعي، وقلت إن لدي خبرة طويلة. تم اقتراحي على أبو أحمد، وحين التقينا سألني إن كنت أستطيع زراعة الفراولة هنا. أجبته بثقة: نعم، أستطيع”.

في شهر حزيران الماضي، انطلقت أعمال تجهيز الأرض الواقعة في شارع المرج، وتم تعقيم التربة وتهيئتها بعناية. وفي شهر آب، جرى غرس الشتلات. وبعد نحو خمسة أشهر، بدأت الثمار تنضج، معلنة ولادة تجربة جديدة في قلقيلية.

يشدد أبو العبد على أن ما يميز محصوله هو طريقة الزراعة. “لا نستخدم مواد كيماوية، فقط السماد العضوي والحشرة النافعة. لدينا إنتاج وفير، حبة كبيرة وطعم حلو”، يقول وهو يعرض صندوقاً ممتلئاً بثمار حمراء لامعة.

يقطف يومياً نحو 15 صندوقاً، تُباع مباشرة على جانب الطريق بسعر يقارب 60 شيقلاً للصندوق، فيما يتصل زبائن لحجز كميات مسبقاً. ويضيف: “هناك من لا يصدق أن الفراولة تُزرع في قلقيلية. عائلات تأتي خصيصاً للتصوير والقطف”.

صاحب الأرض: من أرض فارغة إلى مشروع واعد

بدوره، يقول أنس زيد، نجل مالك الأرض في حوار مع “بالغراف”، إن الفكرة وُلدت من أرض كانت مهملة. “الأرض تقع في مدينة قلقيلية في شارع المرج تحديداً، وتبلغ مساحتها نحو دونم ونصف، وكانت فارغة ولم نكن نستغلها من قبل، وكنا في حيرة ماذا يمكن أن نفعل بها أو نزرع بها، وكيف يمكن استغلالها بصورة مثالية”.

ويضيف: “أبو العبد كان يعمل عند عمي في كراج لتصليح المركبات، وقدم إلينا وقال إنه يفهم بالزراعة وبحاجة السوق، وعرض علينا إقامة مزرعة للفراولة”.

لم يتردد والد أنس في إعطاء المشروع فرصة. “بالفعل وافق الوالد، وشرعوا لفترة من الزمن في تجهيز التربة وتعقيمها، ومن ثم قاموا بزراعتها قبل نحو خمسة شهور، واليوم بدأنا بالإنتاج والبيع”، يوضح.

ويشير إلى أن الإنتاج اليومي يصل إلى نحو 20 صندوقاً، يتم بيعها في السوق المحلي في قلقيلية وسط إقبال لافت. “الإقبال كبير، والناس متحمسة لوجود منتج جديد يزرع في مدينتهم”، يقول.

ولا يخفي أنس طموح العائلة في التوسع. “نطمح بتوسعة المشروع في العام القادم، حيث أن لدينا أراضي زراعية أخرى، وسوف نقوم بزراعتها وتشغيل يد عاملة. التجربة أثبتت نجاحها، ونريد البناء عليها”.

نقل خبرة… وزراعة أمل

بالنسبة لأبو العبد، لا تمثل الفراولة مجرد محصول موسمي، بل حكاية انتقال وصمود. خبرة تراكمت في بيت لاهيا عبر عقود، تجد اليوم تربة جديدة في قلقيلية.

“صحيح أن الظروف هنا مختلفة، لكن الأرض إذا أُحسن التعامل معها تعطي”، يقول وهو يتفقد أحد الخطوط المزروعة. ويحلم في العام المقبل باستئجار أو استغلال أراضٍ إضافية، لأن المساحة الحالية “غير كافية لتحقيق العائد المناسب لي ولصاحب الأرض”.

وفي ظل تراجع فرص العمل وتحديات الواقع الاقتصادي، تبدو تجربة أبو العبد مثالاً على قدرة المعرفة الزراعية على عبور الجغرافيا، وعلى إمكانية تحويل أرض فارغة إلى مشروع منتج خلال أشهر قليلة. هنا، على شارع المرج، لا تُقطف الفراولة فقط، بل يُعاد زرع الأمل أيضاً، حبةً حبة، من غزة إلى قلقيلية.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني