هيئة التحرير
في كثير من دول العالم، يملك المستهلك حرية واسعة للمقارنة بين عشرات عروض الإنترنت واختيار الخدمة التي تناسب احتياجاته من حيث السرعة والسعر والجودة.
أما في فلسطين، فإن عملية اختيار خدمة الإنترنت تبدو أكثر تعقيدًا، إذ تخضع لجملة من العوامل التي تتجاوز الاعتبارات التقنية والاقتصادية التقليدية.
وفي حوار خاص مع موقع “بالغراف”، يقول الدكتور واصل غانم، الأستاذ المتخصص في التكنولوجيا والحاسوب في جامعة بيرزيت، إن المواطن الفلسطيني نادرًا ما يملك ترف المقارنة بين عروض متعددة بالمعنى المتعارف عليه عالميًا، موضحًا أن الخيار في فلسطين محكوم بثلاثة عوامل متشابكة هي: مكان السكن، والقدرة المالية المتاحة، وما تسمح به أو تمنعه سلطات الاحتلال من ترددات وبنية تحتية.
ومن الناحية النظرية، تبدو خيارات الإنترنت متنوعة بين الخطوط الأرضية بتقنية النحاس (ADSL)، أو شبكات الألياف الضوئية (الفايبر) حيث تتوفر، أو حزم البيانات عبر الهاتف المحمول. إلا أن الواقع، بحسب غانم، يرتبط بعوامل تتجاوز السرعة، لتشمل توفر الخدمة والكلفة واحتياجات المستخدم.
ففي المدن الكبرى مثل رام الله ونابلس والخليل وبيت لحم، توسعت شركة الاتصالات الفلسطينية _ جوال، في مد شبكات الألياف الضوئية بسرعات عالية تصل إلى الجيجابايت في الثانية، حيث تقدم للمستخدمين من خلال ” جوال فايبر” العديد من الخدمات منها السرعات المتساوية في تحميل وتنزيل الملفات الكبيرة دون أي تأخير، بينما تبقى خدمات الجيل الثالث (G3)، التي تقدمها جوال، الأكثر انتشارًا في فلسطين، بفضل اتساع التغطية ومرونة حزم البيانات وتناسبها مع شرائح واسعة من المستخدمين. وفي المقابل، ما يزال سكان عشرات القرى والمخيمات يعتمدون على خطوط نحاسية قديمة أو على الشبكة الخلوية باعتبارها الخيار الوحيد المتاح.
ويبرز تأثير الاحتلال بشكل واضح في واقع الاتصالات الفلسطينية، إذ لا تزال الشبكات الخلوية الفلسطينية تعمل بتقنية الجيل الثالث (3G) في الضفة الغربية، بينما تعتمد خدمات البيانات الخلوية في قطاع غزة على تقنيات الجيل الثاني (2G). ورغم توقيع اتفاقيات مطلع عام 2026 تسمح بالانتقال إلى الجيل الرابع، فإن التنفيذ الفعلي ما زال متعثرًا حتى اليوم.
ويعني ذلك، وفق غانم، أن الهاتف المحمول لا يمكن أن يشكل بديلًا موثوقًا للإنترنت المنزلي كما هو الحال في الدول التي انتقلت منذ سنوات إلى تقنيات الجيل الرابع والخامس.
وتتجلى هذه التحديات بصورة أكبر في القرى الواقعة ضمن المناطق المصنفة “ج”، التي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة. ففي هذه المناطق، غالبًا لا تصل شبكات الألياف الضوئية أصلًا، كما لا يُسمح لشركات الاتصالات الفلسطينية بإقامة أبراج تقوية، في حين تنتشر أبراج إسرائيلية مخصصة لخدمة المستوطنات المجاورة.
ويضيف غانم، أن أكثر من 870 حاجزًا وبوابة عسكرية منتشرة في الضفة الغربية تُصعّب وصول فرق الصيانة والتمديد إلى المناطق النائية في الوقت المناسب، الأمر الذي يجعل استمرارية الخدمة وثباتها عاملًا لا يقل أهمية عن السرعات المعلنة.
وفي مواجهة هذه التحديات، تلجأ العديد من الأسر والمكاتب الصغيرة إلى الاشتراك بخدمتين في الوقت نفسه؛ خط إنترنت ثابت للاستخدام اليومي، وشريحة بيانات من مزود خلوي آخر تُستخدم كخيار احتياطي عند انقطاع الخدمة الأساسية. ورغم أن هذا الحل يوفر قدرًا من الاستقرار، فإنه يرفع الأعباء المالية على الأسر الفلسطينية التي تعاني أصلًا من تراجع مستويات الدخل.
ويرى غانم، أن هذا الواقع يفسر تركيز شركات الاتصالات الفلسطينية على المنافسة في الأسعار والباقات المجمعة أكثر من التركيز على السرعات وحدها.
أما العامل الثالث في معادلة اختيار الإنترنت، فهو الوضع الاقتصادي. فمع صرف رواتب القطاع العام بنسب تتراوح بين 50 و60% لأشهر متتالية، وبلوغ معدل البطالة نحو 28% في الضفة الغربية وتجاوزه 85% في قطاع غزة، يصبح السعر بالنسبة لكثير من الأسر المعيار الأهم عند اختيار الخدمة، حتى وإن كانت الباقة الأقل تكلفة أبطأ أو أقل استقرارًا.
ويخلص غانم، إلى أن اختيار خدمة الإنترنت في فلسطين لا يمكن اعتباره قراراً استهلاكياً حراً بالمعنى الكامل، بل هو محصلة لثلاثية مترابطة تتمثل في مكان السكن، والقدرة المالية، وما تسمح به الظروف والبنية التحتية المتاحة. ويؤكد أن أي قراءة لواقع الإنترنت في فلسطين لا يمكن أن تتجاهل هذه العوامل، وإلا بقيت المقارنات مع سرعات الإنترنت العالمية منقوصة الدلالة وبعيدة عن تجربة المستخدم الفعلية في المدينة والقرية والمخيم على حد سواء.




